قاعدة البيانات
تحقيق

“إيكاد” تتبع انتهاكات الاحتلال بحق الفرق الطبية والصحفية في لبنان

21/5/2026

في الصورة أدناه شاب يبلغ من العمر نحو 15 عامًا، يتطوع للانضمام إلى قافلة المسعفين في قسم الإسعاف بالنبطية جنوب لبنان، لكن الاحتلال الإسرائيلي يقرر قصفه وزميله وهما يستقلان دراجة نارية إسعافية. وبجواره صحفي بريطاني في قناة “روسيا اليوم” الروسية، سقط الصاروخ الإسرائيلي بالقرب منه بينما كان ينقل الأحداث على الهواء مباشرة من الجنوب اللبناني.

صورة الشاب المسعِف جود سليمان صورة الصحفي البريطاني ستيف سويني، مراسل قناة “روسيا اليوم”، قبيل الاستهداف

لم يكن أي من الحادثتين جديدًا أو فريدًا في لبنان، إذ تكررت انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحق الطواقم والمؤسسات الصحية والصحفية، وهو ما سعى فريق “إيكاد” إلى تتبعه وتوثيقه منذ بدء العدوان الأخير على لبنان في 2 مارس/ آذار 2026.

استهداف الطواقم الطبية

أدت الاستهدافات الإسرائيلية إلى مقتل 53 وجرح 137 من الأطقم الطبية، كما أنها شملت أكثر من 100 منشأة طبية وإسعافية، و67 مركبة إسعاف (ما بين سيارات ودراجات)، وذلك وفق ما أعلنته وزارة الصحة اللبنانية [c] حتى 2 أبريل/ نيسان 2026. في المقابل، يبرر أفيخاي أدرعي، المتحدث باسم جيش الاحتلال، هذه الاستهدافات بزعم ارتباط هذه الطواقم والمركبات والمنشآت بـ “حزب الله” واستخدامها لأغراض عسكرية.

مرفق 01

فما حقيقة المزاعم الإسرائيلية؟

تحديد موقع الاستهداف عبر مقارنة المعالم البصرية الظاهرة في المقطع (إيكاد)<br>
للتحقق من مزاعم جيش الاحتلال، عاد فريق “إيكاد” إلى مقطع الفيديو الذي صُور بعد دقائق من مقتل الفتى المسعِف ذي الـ 15 عامًا، جود سليمان، وزميله علي جابر، إثر غارة جوية إسرائيلية استهدفت دراجتهما في 24 مارس/ آذار 2026. 
موقع الاستهداف محاط بالمنشآت المدنية<br>
وبتحليل المعالم الظاهرة في المقطع، تمكن الفريق من تحديد موقع الاستهداف، الذي تبين أنه يقع في شمال النبطية، على طريق “النبطية صيدا”. وبعد التدقيق في محيط موقع الاستهداف، وُجد أنه يتوسط عددًا من المنشآت الطبية والمقار الحكومية والمنظمات والجمعيات المحلية والدولية والمساجد، وذلك كله يقع ضمن دائرة لا يتجاوز نصف قطرها 500 متر.

وحسب الصور الملتقطة قبل الاستهداف وبعده، كانت إشارات الإسعاف واضحة على الدراجة المستهدفة، كما أن المسعفين كانوا يرتدون الملابس والخوذ الإسعافية، وهو ما يضعف احتمالية أن يكون قصفهم قد تم عن طريق الخطأ، لا سيما أن الأسلحة الإسرائيلية تتسم بدقة عالية في الإصابة.

مرفق 02
مرفق 03

قبل هذا الحادث بنحو أسبوعين، وتحديدًا في 7 مارس/ آذار 2026، استهدفت مسيرة إسرائيلية مركز “جبشيت” الصحي جنوب لبنان، ما أدى إلى تدميره بالكامل. وبتحليل الموقع المحيط بالمركز الطبي، تبين أنه يقع وسط أحياء مدنية سكنية.

لم يكتف الاحتلال باستهداف المستشفيات والطواقم الطبية التابعة للمؤسسات اللبنانية، الرسمية وغير الرسمية، حيث شملت الهجمات أيضًا الفرق التابعة لمنظمة الصليب الأحمر الدولية، ما أدى إلى مقتل أحد مسعفيها، يوسف عساف، وإصابة 3 آخرين، في استهدافات متفرقة.

المفارقة هنا أن طواقم الصليب الأحمر استُهدفت عدة مرات رغم تنسيق المنظمة مع الجهات المعنية “عبر القنوات المعتادة” لتفادي استهداف طواقمها المحميين بموجب القانون الدولي الإنساني، وفق بيان أصدرته المنظمة الدولية في 11 مارس/ آذار 2026.

مرفق 04

إضافة إلى ما سبق، أفادت تقارير لبنانية [f] رسمية بأن الهجمات الإسرائيلية تسببت في إخراج 6 مستشفيات عن الخدمة بشكل كامل، كما أنها ألحقت أضرارًا جزئية في 5 مستشفيات على الأقل منذ بدء العدوان حتى 2 أبريل/ نيسان 2026.

خريطة جغرافية
خريطة توضح مناطق استهداف المستشفيات التي رصدها فريق “إيكاد”

استهداف القطاع الإعلامي

لم يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة للقطاع الإعلامي في لبنان، فعلى غرار ما يحدث مع الطواقم الطبية، يواجه الصحفيون والإعلاميون، وكذلك مقرات المؤسسات الصحفية والإعلامية، استهدافات عديدة منذ بدء العدوان الإسرائيلي الأخير في 2 مارس/ آذار 2026. ففي يوم الحرب الأول، استهدف الاحتلال الإسرائيلي عدة مقار إعلامية، ما أدى إلى تدمير كلي لمكاتب إذاعتي النور وصوت الفرح، وتخريب جزئي لمقر قناة المنار.

وبعد نحو أسبوعين، كان الصحفي البريطاني ستيف سويني، مراسل قناة “روسيا اليوم”، يذيع تقريرًا مباشرًا من أحد المواقع التي استُهدفت في القاسمية جنوب لبنان، وبينما هو كذلك إذ بصاروخ يسقط خلف ظهره مباشرة، ما أحدث إصابات في جسد سويني والمصور المرافق له. ورغم الادعاءات، نفى ستيف سويني تلقيه أي تحذيرات قبل الضربة الإسرائيلية، مؤكدًا أن الجيش اللبناني سمح له وفريقه بالتصوير في المكان.

مرفق 08

وبالتحليل البصري لشكل القنبلة الذي ظهر قبل الانفجار، وآثار الدمار الذي خلّفته، رجح فريق “إيكاد” أنها من طراز “MK-82″، مضافًا إليها تقنيات توجيه “JDAM” التي تحول الذخائر إلى ذكائر ذكية قابلة للتوجيه، وهو ما يضعف من احتمالية أن يكون الاستهداف عن طريق الخطأ.

مرفق 12 مقارنة بين الحطام وصور الطائرة الرسمية (إيكاد)

وعقب هذه الضربة بأربعة أيام، وبينما كانت العديد من الفرق الصحفية تتواجد في منطقة القاسمية، وتحديدًا عند ذات الجسر الذي استُهدف عنده الصحفي الروسي، وثقت مقاطع نشرتها جريدة “الأخبار” اللبنانية غارات جوية عدة شنها الاحتلال الإسرائيلي على مسافة لا تتجاوز 50 مترًا من الصحفيين.

مرفق 13

الخلاصة

بشكل عام، يتضح من خريطة المستشفيات والمنشآت الطبية التي وُثِّق استهدافها أن معظمها يقع ضمن مناطق مدنية مزدحمة، وأن خدماتها مقدمة للمدنيين، ولا مؤشرات أو دلائل واضحة على أنها نقاط طبية عسكرية ميدانية قريبة من مناطق التماس بين قوات الاحتلال وحزب الله، وهو ما يضعف الحجج والذرائع التي يقدمها جيش الاحتلال بأن الاستهداف للمنشآت معزوٌّ إلى استخدامها لأغراض عسكرية، لا سيما وأن الاستهداف طال أيضًا فرقًا تابعة لمنظمات دولية رغم التنسيق المسبق.

وفي الوقت الذي يدعي فيه الاحتلال الإسرائيلي أن استهداف بعض المقار الإعلامية، مثل محطة بث إذاعة “النور”، سببه وجود عناصر لحزب الله داخل المقرات، يُطرح التساؤل حول سبب الاستهدافات المباشرة لمناطق يتواجد فيها الصحفيون بزيهم الرسمي وفي وضح النهار، كما حدث مع فريقي “روسيا اليوم” و”الأخبار” اللبنانية.

يتشابه سلوك جيش الاحتلال تجاه الفرق الطبية والصحفية في لبنان مع سلوكه في غزة، فمنذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وحتى 8 أبريل/ نيسان 2026، أودت الضربات الإسرائيلية على القطاع بحياة ما لا يقل عن 1700 من أعضاء الكادر الطبي، و262 صحفيًا .

X x.com

تعليق بسيط