"إيكاد" تفكك نشاط ميليشيا المنسي في مناطق سيطرة الاحتلال شمال غزة
بعد عدة أشهر من ظهور ميليشيا "ياسر أبو شباب" جنوب قطاع غزة، وتحديدًا في بداية سبتمبر/ أيلول 2025، أعلن أشرف المنسي -المكنى بـ "أبو الكاسر"- تأسيس ميليشيا جديدة شمال القطاع، سماها "الجيش الشعبي - قوات الشمال". وقد شُكّلت المجموعة -بحسب وسائل إعلام فلسطينية- من ذوي السوابق في قضايا المخدرات والسرقة والفساد.
وفي حسابه المعلن على "فيس بوك"، نشر أبو الكاسر عددًا من المقاطع والصور تجمعه مع عناصر مجموعته مسلحين ملثمين، وفيها يحرض الشعب الغزاوي على فصائل المقاومة الفلسطينية. وفي إطار متابعتنا للواقع الميداني والإنساني بغزة، قرر فريق "إيكاد" تتبع الميليشيا، في محاولة لفهم هيكليتها ورصد أبرز عناصرها وأماكن تواجدها وطريقة نشاطها، فضلًا عن ارتباطاتها.
من أبرز عناصر الميليشيا؟
بدأ التحقيق من حساب المنسي على الفيسبوك، حيث وصلنا من خلاله -عبر التحليل اليدوي والبحث عبر الأدوات المتخصصة- إلى حسابات عدد من أبرز عناصر الميليشيا، وفي مقدمتهم العنصر الذي يُعتقد أنه الرجل الثاني في المجموعة؛ أحمد عبد الكريم السماعنة، الذي أعدمت المقاومة والده، مطلع سبتمبر/ أيلول 2026، بتهمة "الخيانة والتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي".
وبعدها، تبرأت قبيلة "السواركة" من عبد الكريم وأبنائه الثلاثة: أحمد ومحمد ومحمود، ونعتتهم بأنهم "خانوا عهد الله ودماء الشهداء"، متهمة إياهم بـ "التورط في تسليم المقاومين الأبطال والتسبب في استشهاد عدد منهم".
ومن خلال تتبع حساب أحمد السماعنة على فيسبوك، المسمى "طرف خير - أبو رمزي"، رصدنا صورًا ومقاطع متعددة لتدريبات المجموعة المسلحة، يظهر فيها السماعنة بجانب المنسي باستمرار، ما يعزز من احتمالية كونه نائب قائد الميليشيا، كما هو الحال بالنسبة لغسان الدهيني في ميليشيا "ياسر أبو شباب" المتمركزة في منطقة رفح جنوب القطاع.
كما توصلنا إلى حساب آخر باسم "محمود السماعنة"، الذي يُعتقد أنه شقيق أحمد عبد الكريم السماعنة (أبو رمزي)، دأب على نشر صور له وهو ملثم مسلح، برفقة عدد من العناصر المسلحة. كما أنه يكتب متوعدًا حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ويتفاعل بإيجابية مع منشورات "أبو الكاسر"، قائد الميليشيا.
ومن خلال التتبع اليدوي لحسابات القادة، توصل الفريق إلى صفحة الميليشيا الرسمية على "الفيس بوك"، المسماة "الجيش الشعبي - محافظة الشمال"، التي تبين أنها أُنشئت مؤخرًا، وتحديدًا في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.
ومنذ ذلك الحين، تدعو الصفحة أهالي قطاع غزة إلى الانخراط في نشاطات الميليشيا، عبر الإعلان عن طلبات توظيف أو تطوع في الجانب العسكري، أو المشاركة ضمن فرق الدعم والإغاثة.
لم يتمكن الفريق من الحصول على معلومات إضافية من منصة الفيسبوك، ولذا استكمل البحث في منصات أخرى، وهو ما أوصلنا إلى حسابات القائد ونائبه على منصة "تيك توك"؛ حيث يعود حساب "قوات الشمال - أبو الكاسر" لأشرف المنسي، و"أبو رمزي" لأحمد السماعنة.
ومن خلال رصد التفاعلات مع الحسابين، ظهر للفريق حساب لأحد أبرز عناصر الميليشيا؛ وهو "علي أبو صبيح"، المنحدر من عشيرة "الرميلات"، والمعروف بنشاطه المناصر للميليشيا على وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما منصة "تيك توك"، إذ رصدنا في حسابه عددًا من المقاطع والصور التي استندنا إليها في هذا التحقيق.
كما توصلنا -عبر تحليل التفاعلات مع حسابات القادة- إلى شبكة من الحسابات المناصرة، التي تلعب دورًا في الترويج لعناصر الميليشيا وتضخيم التفاعل مع منشوراتهم، في محاولة لتشكيل رأي عام داعم لهم عبر منصات التواصل، أو تجنيد أفراد جدد.
وتشمل هذه الشبكة حسابات وهمية، وأخرى حقيقية. ومن بين أبرز هذه الحسابات أبو آدم شعبان، ومالك، وقوات الشمال، وعقيد الشمال. وجُلُّ نشاطها قائم على مهاجمة حماس وشيطنتها، والترويج للميليشيا.
أين تتمركز ميليشيا المنسي؟
وبعد رصد حسابات الشبكة وأبرز قيادييها وبعض عناصرها ومناصريها، انتقل فريق "إيكاد" إلى تحليل المحتوى الذي نشرته هذه الحسابات، لا سيما تلك التي تخص قادة الميليشيا.
ومن ذلك تعرفنا على المنطقة التي يتمركز فيها نشاط المجموعة المسماة بـ "الجيش الشعبي". إذ نشر حساب "أبو الكاسر" -على تيك توك- مقطعين مصورين من نقطة مرتفعة يومي 26 و29 سبتمبر/ أيلول 2025، وفيهما تظهر عربات جيب تتحرك حول المنطقة التي يتمركزون فيها.
وبتحليل المعالم الجغرافية الظاهرة في المقطعين، ومقارنتها بصور الأقمار الصناعية، تبين للفريق أن أشرف المنسي (أبو الكاسر) صوّر المقطعين من فوق مبنى مدرسة "عزبة بيت حانون الابتدائية"، بجوار أبراج الندى شمال القطاع، عند الإحداثيات: "31.54759106754087, 34.518182555575095".
لاحظ الفريق أن الزاوية التي التُقط منها المقطعان السابقان مشابهة لتلك التي صُور منها مقاطع أخرى نشرها "أبو رمزي" بتاريخ 9 سبتمبر/ أيلول 2025، حيث وثق من خلالها تحركات عدد من عربات الجيب. وبذات الوسيلة التحليلية السابق ذكرها، تبين لنا أن تلك المقاطع ملتقطة من نفس المكان الذي صورت منه التسجيلات التي نشرها أشرف المنسي؛ أعلى مدرسة "عزبة بيت حانون الابتدائية".
ولزيادة التحقق من موقع نشاط الميليشيا، حلّل الفريق مقطعًا آخر صوره "أبو صبيح" من داخل سيارة يستقلها. ومن خلال التحليل البصري للمعالم الظاهرة في الفيديو، ومقارنتها بصور الأقمار الصناعية، تبين أنه كان يتحرك بالقرب من خزان مياه مقابل أبراج الندى، بين بيت حانون وبيت لاهيا، وبالتحديد عند الإحداثيات: "31.550332545914515, 34.523902116346854".
وبقياس المسافة بين هذا الخزان والمدرسة التي نشر منها المنسي والسماعنة مقاطعهما، وجدنا أنها تبلغ نحو نصف كيلومتر فقط.
وبالنظر إلى الخريطة الكلية للقطاع، وجدنا أن كلا الموقعين -المدرسة والخزان- يقعان خلف ما يسمى "الخط الأصفر"، الذي يفصل عمليًا بين المنطقة التي يتواجد بها حاليًا أهالي غزة والمنطقة التي يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي.
واستنادًا إلى هذين الموقعين، ومواقع أخرى استخلصها الفريق من مقاطع نشرتها الحسابات التابعة للميليشيا، أعد فريق "إيكاد" خريطة ميدانية تكشف نطاق تحرك المنسي ومجموعته، حيث يتركز في منطقة "أبراج الندى" و"العودة"، وتحديدًا عند منطقة "عزبة بيت حانون" شمال القطاع، وهو ما يعني أن الميليشيا تتمركز داخل مناطق سيطرة الاحتلال.
يتميز الموقع الذي تتمركز فيه المجموعة بارتفاع جغرافي مُطِلّ على بيت لاهيا والقرية البدوية ومعسكر جباليا، وهو ما يمنحها إمكانية تنفيذ هجمات على مواقع المقاومة في المناطق الثلاث، مع ميزة تكتيكية هامة تتمثل في القدرة على الهروب السريع نحو مناطق سيطرة الاحتلال خلف الخط الأصفر. وهو ما يشير إلى علاقة تبادلية تعاونية بين الميليشيا الناشئة والاحتلال الإسرائيلي ضد الفصائل الفلسطينية.
ومما يعزز من هذه النتيجة أن المنطقة التي تتخذها ميليشيا "الجيش الشعبي" موقعًا لها كانت حتى شهور معدودة موقعًا لإيواء النازحين. حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية أن المنطقة المقابلة للمدرسة التي يتموقع فيها المنسي ومجموعته كان يوجد بها ما يبدو أنه خيام للنازحين، حتى أزيلت نهاية مارس/ آذار 2025. ومنذ ذلك الحين، سيطر الاحتلال على المنطقة حتى قدوم الميليشيا بداية سبتمبر/ أيلول 2025.
وبالتزامن مع ذلك، كشفت صور الأقمار الصناعية وجود أعمال تجريف وتمهيد طريق باتجاه مدرسة "أحمد الشقيري"، المجاورة لمدرسة "عزبة بيت حانون"، التي رصدنا تمركزهم فيها أعلاه، فيما بدا كمحاولة لتسهيل حركة المجموعة.
التواجد داخل الأراضي المحتلة
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الأمر لم يقتصر على التمركز داخل أراضي غزة الواقعة تحت سيطرة الاحتلال حاليًا، بل تجاوز إلى التواجد داخل المناطق المحتلة ذاتها، وهو ما خلص إليه تحليل سابق لفريق "إيكاد".
ففي مساء الأربعاء 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، نشر أبو رمزي على حسابه في "تيك توك" مقطعًا مصورًا داخل سيارة، يُرى من نوافذها لافتات عبرية. وبمقارنة المشاهد الظاهرة في الفيديو عبر نظام "ستريت فيو" (Street View) من خرائط "غوغل"، حدّد الفريق المسار داخل الأراضي المحتلة، وتحديدًا في شارع "إلياهو ناوي" (Eliyahu Nawi) بمدينة "بئر السبع".
التنسيق بين الميليشيات في إطار مشروع "غزة الجديدة"
وبعيدًا عن المواقع الجغرافية التي تتمركز فيها المجموعة، رصد الفريق صورة تجمع غسان الدهيني -نائب قائد ميليشيا "ياسر أبو شباب" النشطة في جنوب القطاع- مع أشرف المنسي وأحمد السماعنة، قبيل الهدنة بعدة أيام.
واللافت أن هذه الصور التُقطت في ذات المدرسة التي تتمركز فيها مجموعة المنسي شمال القطاع (مدرسة عزبة بيت حانون). وهو ما يعني أن الدهيني انتقل من أقصى جنوب غزة إلى شمالها ليجتمع بالمنسي في منطقة واقعة تحت سيطرة الاحتلال. الأمر الذي يشير إلى تنسيق وتعاون بين ميليشيا الجنوب والشمال، تحت عين الاحتلال.
وهو ما يطرح التساؤل حول حقيقة الأدوار التي تضطلع بها هذه المجموعات، ويفتح الاحتمالات بأنها لن تعمل كحركات منفردة، بل ضمن منظومة وظيفية أوسع تعيد تشكيل خارطة النفوذ الميداني في إطار مشاريع الاحتلال الإسرائيلي الهادفة إلى تقويض المقاومة، وفرض وقائع ميدانية جديدة تدعم مشروع "غزة الجديدة"؛ القائم في مرحلته الأولى على تثبيت السيطرة الإسرائيلية داخل نطاق الخط الأصفر، حيث تتمركز مليشيات المنسي وأبو شباب.
وتتلاقى هذه النشاطات الميدانية مع تحركات سياسية أوسع؛ إذ صوّت مجلس الأمن الدولي لصالح قرار صاغته واشنطن يؤيد خطة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، المؤلفة من 20 نقطة بشأن غزة، والتي تتضمن إنشاء قوة دولية "للاستقرار" بمشاركة دولية لم تُسمّها الولايات المتحدة.
وفي المقابل، كشفت صحيفة "فاينانشال تايمز"، في تقرير لها منتصف نوفمبر/ تشرين الأول 2025، عن معارضة دول عربية للمقترح الأمريكي الرامي لإعادة بناء "غزة الجديدة" داخل مناطق السيطرة الإسرائيلية خلف "الخط الأصفر". وبالموازاة مع هذا الرفض، نقلت وسائل إعلام عن صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية خطة أمريكية لإنشاء قاعدة عسكرية قرب حدود قطاع غزة؛ بدعوى الإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار.
ومما يعزز من احتمال ضلوع الميليشيات في هذا المخطط السياسي هو التصريح العلني الذي أيدت فيه ميليشيا أبو شباب العمل في إطار الاشتراك المباشر مع "مجلس السلام"، وهو ذاته الكيان السياسي المذكور في خطة ترامب؛ والتي تقضي بنزع سلاح فصائل المقاومة، وفي مقدمتها حركة حماس، لإحلال واقع أمني جديد يقع تحت الوصاية والإشراف الدوليين.
الخلاصة
في هذا التحقيق، تتبع فريق "إيكاد" شبكة من حسابات أبرز عناصر ميليشيا "الجيش الشعبي - قوات الشمال"، بقيادة أشرف المنسي. ومن خلال المحتوى المنشور عليها، تمكن من تحديد المنطقة الجغرافية التي تتمركز فيها المجموعة، والتي تبين أنها تقع بالكامل تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي خلف الخط الأصفر.
كما رصد زيارة غسان الدهيني -نائب قائد الميليشيا النشطة في أقصى جنوب القطاع- للقاء قيادات ميليشيا المنسي المتموضعة في شمال غزة، تحت بصر الاحتلال، يشي باحتمالية وجود منصة تنسيقية تربط بين الميليشيات الناشئة قد تتوسع مستقبلًا لتشكل جبهة متصلة بين شمال القطاع وجنوبه، سعيًا لفرض واقع جديد يتسق مع الخطط الإسرائيلية، عبر تأسيس كيانات موازية لحركة حماس وفصائل المقاومة، وهو ما قد يعيد تشكيل ميزان القوى ويعقد المشهد الوطني والميداني داخل غزة.