قاعدة البيانات
تحقيق

"إيكاد" تكشف جنودًا عربًا في صفوف الاحتلال الإسرائيلي

28/4/2025

عند تخوم بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، فجّر مقاتلو "كتائب القسام"، في 19  أبريل/ نيسان 2025، عبوة ناسفة في جيب عسكري إسرائيلي ضمن كمين "كسر السيف"؛ أسفر عن مقتل جندي وإصابة خمسة آخرين. وأعلن إعلام الاحتلال -ممثلًا في صحيفة "معاريف" وموقع "i24"- أن الجندي القتيل هو الرقيب أول، غالب النصاصرة.

لفت انتباهنا اسم الجندي القتيل ذي الأصول العربية، الذي كشفت صحيفة "معاريف" أنه عمل متعقبًا وقصّاص أثر في اللواء الشمالي بفرقة غزة لمراقبة المنطقة الفاصلة، ضمن "وحدة الاستطلاع الصحراوية" المؤلَّفة من بدو النقب.

وحسب المصادر العبرية، نشأت هذه الوحدة قبل نحو 37 عامًا، وتتْبع تنظيميًا لـ"لواء جفعاتي"، ونشطت بكثافة في محاور رفح وخان يونس ونتساريم وجباليا، متخذة من "النسر" شعارًا لها، إلى جانب راية ميدانية مكتوب عليها باللغة العربية "بدو".

مرفق 01 شعار وحدة الاستطلاع الصحراوية "585"

ومن هذه الخلفية العسكرية، انطلق فريق "إيكاد" محاولًا تقصّي أثر هذه الوحدة أو أيٍّ من عناصرها، سعيًا لمعرفة نشاطاتها داخل قطاع غزة، ومدى انخراط الجنود العرب في الانتهاكات التي يرتكبها جيش الاحتلال بحق أهالي القطاع.

وبينما كان يرصد فريق التحقيقات في "إيكاد" جرائم جنود الاحتلال الموثّقة على وسائل التواصل الاجتماعي، وجد من بينهم حساب جنديٍّ عربي يدعى علي أبو فريحة. وبرصد تفاعلات الحساب وتحليل شبكته الرقمية، توصل الفريق إلى حساب جندي ثان اسمه حمزة، الذي وصلنا من خلاله إلى الثالث، محمد شبانة. وهي الحسابات الثلاثة التي شكّلت الخط الرئيسي لهذا التحقيق، نظرًا للأرشيف الرقمي الكبير الذي حوَته.

الجنود الثلاثة في وحدة الاستطلاع الصحراوية

يقدّم علي أبو فريحة نفسه على حسابه في "إنستغرام" جنديًا في الوحدة. وبتفحّص منشوراته، رصد الفريق رايتها المكتوب عليها "بدو" ترفرف في صوره، وما يشير إلى أنه برتبة رائد فيها، فيما يرفع علم الاحتلال في معظم ما يصوّر.

أما الجندي الثاني، حمزة، فتكشفه شارة وحدة الاستطلاع الصحراوية على كتفه. وبالبحث في حسابه، عثر الفريق على شهادة دورة إسعاف ميدانية حملت اسمه وصورته وشعار الوحدة 585. كما أنه أعاد نشر تقرير تلفزيون "مكان" عن الوحدة بعد اقتطاع جزء منه، في تلميح إلى أنه أحد الظاهرين فيه.

أما الجندي الثالث، محمد شلابنة، فقادت إليه التعليقات المتبادلة مع حمزة، وحالات نشراها معًا للمقاطع ذاتها، وتظهر فيها راية الوحدة 585. واكتملت حلقة الشبكة حين كشف التتبّع علاقة علي بحمزة في مقطع مشترك لاقتحام منزل واحد بخان يونس، نسبه حمزة إلى الوحدة.

بهذه الخيوط، اجتمعت ثلاثة حسابات حول راية واحدة وشارة واحدة وشهادة تحمل اسم الوحدة، وربطتها إشارات وتعليقات ومقاطع مشتركة، لتتشكل أمام الفريق شبكة حسابات لجنود من وحدة 585. فما الذي وثّقناه من محتوى هذه الحسابات؟

التمركز والتفاخر داخل المدن

في الجنوب، تُظهر صفحة علي أبو فريحة حضوره اليومي داخل مدينة رفح. نشر علي مقاطع فيها شتائم نابية وحركات بذيئة، موجهة -حسب المؤشرات- للفلسطينيين. وبعد مقتل رئيس المكتب السياسي لحماس يحيى السنوار في معارك رفح، حيث كان علي وفرقته، وضع علامة على صورة السنوار في ملصق لقادة الحركة.

كما استعرض أبو فريحة سلاحًا مذَخّرًا من خلف ساتر ترابي في رفح، موجّهًا إياه نحو المربعات السكنية، كما وثّق صفائح ذخيرة كُتب عليها "غزة كرم أبو سالم". وأرفق مقاطع لإطلاق نار عشوائي، أحدها في 24 يوليو/ تموز 2024 على رفح التي اجتاحها الاحتلال في مايو/ آيار 2024، وصوّر دبابة ميركافا تطلق قذيفة مدفعية دون إظهار هدفها.

وتَظهر نبرة الاحتفاء في مقاطع أخرى لعلي؛ إذ نشر إطلاق نار قرب السياج الفاصل، وأرفقه بـ "إيموجي" مبتسم وقلوب وعلامة موسيقية، في تقديم لصوت الرصاص كأنه مادة للبهجة. ثم كرّر المشهد في خان يونس وسط قنابل مضيئة، وأطلق النار ليلًا من بندقية "إم 4" باتجاه أحد المنازل، وأرفق المقطع بعبارة "تصويب جيد"، بما قد يوحي بتدريب أو رمي حي في بيئة مدنية.

ولم يكن علي أبو فريحة وحده؛ فحمزة يتموضع هو الآخر ببندقيته أمام راية الوحدة في رفح، وفي مقطع آخر كتبَ عليه "أخيرًا نوبة"، إشارة إلى انتظار دوره في المناوبة داخل أحد المواقع العسكرية، بما يعكس نمط التفاخر نفسه بالانتماء إلى الوحدة وحضورها الميداني.

الآليات والتوغّل

وثّقت حسابات الشبكة حضور الآليات الثقيلة في مسار التوغّل داخل القطاع. حيث صوّر أبو فريحة دبابات الاحتلال أثناء دخولها رفح، ودبابة ميركافا أخرى قرب معبر كرم أبو سالم، كما نشر مشاهد لتوغّل تتقدّمه جرافات "دي 9" وناقلة جند، وظهر داخل مدرعة أثناء اقتحام.

وفي السياق ذاته، نشر حمزة مشاهد لدبابتي ميركافا تتقدّمان نحو القطاع، ومروحية تهبط قرب الآليات، ولقطات من داخل دبابات كُتب عليها "غزة"، إلى جانب مقاطع توثق حضوره في معارك خان يونس.

حرق المزارع

ومن رفح، وثّق أبو فريحة حرائق في بيوت وأراضٍ زراعية، أرفق أحدها بأغنية لـ"حمود الرغد" ذات طابع هجومي، وكرّر مشاهد إحراق الأرض وتدمير ما حولها -وهو سلوك تكرّر طوال الحرب لاستخدام الجوع سلاحًا- وصولًا إلى مقطع في 4 ديسمبر/ كانون الأول 2024 لأرض محترقة يتصاعد منها الدخان.

مرفق 39 حريق في أراضٍ زراعية صوّره علي أبو فريحة

تدمير المنازل واستهدافها

ينقل توثيق محتوى الشبكة المشهد من الأرض إلى البيوت. ففي حي النصر بمدينة غزة، نشر أبو فريحة صور هدم وتجريف ودخان، ودمارًا واسعًا في حي آخر ذيّله بإشارة يد ساخرة، واستهدف -رفقة زملائه- أحد المنازل في خان يونس، وهو المنزل ذاته الذي ظهر في مقطع حمزة المشترك.

وفي مقطع وثّق فيه حمزة توغّلًا للجيش، يتصاعد الدخان من الأبنية، ويتمترس جنود الوحدة داخل منازل الغزّيين موجّهين أسلحتهم من نوافذها نحو الأبنية والأزقة، دون وجود ما يدل على "خطر مباشر".

مرفق 44 مشاهد متتالية يوثق فيها الجندي تمترس جنود وحدة الاستطلاع في جيش الاحتلال في منازل الغزيين

ثم يتصاعد التوثيق مع حمزة إلى مشاهد أكثر خطورة؛ صاروخ محمول على الكتف يستهدف مبنى سكنيًا، أرفقه بأغنية تقول "مفيش عصفور بيعادي نسور". ويلي ذلك توثيق تفخيخ منازل تمهيدًا لنسفها، ثم إحراق منازل أخرى بعد اقتحامها، لضمان عدم استفادة أهلها منها حال عودتهم.

الدروز إلى جانب البدو

وفي أحد المشاهد التي رصدنا من حساب حمزة، تمترست آليات الاحتلال بين المنازل المدنية للتحصّن بها. كما أظهر المقطع مشاركة جنود دروز في القتال إلى جانب البدو داخل القطاع.

مرفق 47 مشاهد تُظهر جنديًا يرفع علم الدروز على سطح في غزة، وآخر يتخذ موقعًا للرماية من نافذة منزل وهو يضع العلم على كتفه.

الكلاب البوليسية

وأظهر مقطع آخر لحمزة كلبًا بوليسيًا من تلك التي تستخدمها وحدة "عوكيتس"، كُتب عليه "معبر رفح". وكان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قد وصف، في يونيو/ حزيران 2024، استخدام الجيش الكلاب لمهاجمة المدنيين في القطاع ونهشهم بأنه سلوك ممنهج وواسع النطاق.

مرفق 48 كلب بوليسي داخل مركبة عند معبر رفح

تأمين القدس

لم يقتصر حضور الشبكة على غزة؛ فعلى حسابه وثّق حمزة وجوده في مدينة القدس يوم 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2024. وشهد المسجد الأقصى في ذلك الشهر مخاطر غير مسبوقة خلال موسم "الأعياد اليهودية" الممتد حتى 25 من ذات الشهر؛ ما يرجّح أنه كان ضمن قوات تأمين اقتحامات الأقصى.

مرفق 49 حمزة في مدينة القدس قرب المسجد الأقصى

انتهاكات شمال غزة

وعند الحديث عن الجندي الثالث، محمد شلابنة، ينتقل التوثيق شمالًا. ففي مقطع نشره في 18 مارس/ آذار 2025، تظهر دورية للاحتلال وهي تسير على شارع الرشيد الساحلي. ومن لقطة عابرة في خلفية الفيديو، التقط الفريق لوحة محل كُتب عليها "Q Cafe"، وجعلها نقطة انطلاق للتحقق الجغرافي.

وبالبحث العكسي عن اللوحة عبر "خرائط غوغل"، ثم مطابقة واجهة المحل وخط الساحل مع صور الأقمار الصناعية، حدّد الفريق الإحداثيات بدقة عند "31.501783450294052, 34.413358399238454". حيث يقع الموقع على مسافة تقارب 600 متر من الرصيف العائم الذي أنشأته الولايات المتحدة عام 2024، وعلى محور نتساريم الذي فصل شمال القطاع عن جنوبه.

مرفق 50 تحديد موقع  "Q Cafe" من خرائط "غوغل" والإحداثيات

ومن الشمال أيضًا وثّق محمد دمارًا هائلًا في حي سكني شارك في اقتحامه، ومسير جندي تتصاعد خلفه أعمدة الدخان، في مشاهد بدا منها تباهيه بالدمار.

مرفق 51 جندي يسير وعمود دخان خلفه في غزة

التورط في "خطة الجنرالات"

وفي مقطع آخر، يتجوّل جنود الوحدة قرب ثلاث مدارس إيواء متجاورة في معسكر جباليا، وقد بدت آثار الحرق والدمار واضحة على مبانيها. وبمقارنة معالم الفيديو، من المباني وزواياها إلى خطوط الشوارع، مع صور الأقمار الصناعية، طابق الفريق المشهد وحدّد موضعه في الشارع الخلفي لمدارس السوق.
وتقع المدارس ضمن نطاق دُمّر خلال معركة جباليا الثالثة، في سياق "خطة الجنرالات" الرامية إلى تفريغ شمال القطاع من سكانه، وهي مرحلة شهدت تصعيدًا أوسع في تدمير مناطق الإيواء والبنية المدنية مقارنة بمراحل سابقة من الاجتياح.

وعلى نهج رفيقيه في الجنوب، صوّر شبانة مع جندي آخر مشهدًا يطلقان فيه النار عشوائيًا.

خريطة التواجد داخل القطاع

واستنادًا إلى المعالم الظاهرة في المقاطع والوسوم المرفقة بها، رسم الفريق خريطة لحضور الجنود الثلاثة داخل القطاع؛ من رفح وخان يونس ومعبر كرم أبو سالم جنوبًا، إلى محور نتساريم ومخيم جباليا شمالًا.

وتثبت توثيقات الشبكة حضور الجنود الثلاثة في هذه المواقع، وتعرض أفعالًا مصوّرة تشمل التوغّل، وإطلاق النار نحو مناطق سكنية، وحرق الأراضي والبيوت، والتمترس بين منازل المدنيين ومدارسهم. 

الخلاصة

من مقتل غالب النصاصرة في كمين بيت حانون، قاد الخيط فريق "إيكاد" إلى وحدة الاستطلاع الصحراوية 585، ومنها إلى شبكة من ثلاثة حسابات تجمعها راية الوحدة وشارتها وعلاقات رقمية متبادلة؛ علي أبو فريحة وحمزة في الجنوب، ومحمد شلابنة في الشمال.

وقد برهن التحقيق على أن الانتهاكات المصورة لا تمثل تصرفات فردية، بل تكشف عن عقيدة عملياتية موحدة تتحرك من خلالها "وحدة الاستطلاع الصحراوية 585". وتحولت المقاطع التي بثها الجنود الثلاثة بأيديهم من مباهاة افتراضية رقمية إلى شهادات إدانة قانونية تضعهم تحت طائلة القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة.  

وإذ توثق المواد تهجيرًا قسريًا، وإطلاقًا عشوائيًا للنيران، وتدميرًا واسعًا للمنازل والمزارع، واستهدافًا للمنشآت الأممية ومراكز التعليم، فإنها تشكل أركانًا متكاملة لجرائم حرب وتطهير عرقي ارتكبها مجندون عرب بحق من يشاركونهم الأرض والأصل داخل قطاع غزة.