قاعدة البيانات
مقال

"إيكاد" تكشف زيف فيديو الممرضة الغزاوية المزعوم داخل مستشفى الشفاء

12/11/2024

مقطع لا تتجاوز مدته دقيقة واحدة، ظهرت فيه فتاة محجبة قالت إنها ممرضة داخل مستشفى الشفاء في غزة، تتحدث -تحت أصوات القصف- عن سيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على المستشفى وسرقة الوقود والأدوية، قبل أن تطالب الناس بمغادرة المكان. زاعمة أن الأطباء لم يعودوا قادرين على علاج المصابين، مشيرة إلى طفل في الخامسة لا يجد "المورفين" لتخفيف ألمه.

وخلال ساعات، انتشر الفيديو عبر عشرات الحسابات العربية والإنجليزية والعبرية، بينها حسابات إسرائيلية وأخرى متخصصة بالمصادر المفتوحة، وقُدم باعتباره شهادة من داخل الشفاء على سيطرة حماس على المستشفى.

إكس
حساب الصحفي الإسرائيلي "إيدي كوهين" يروج للمقطع

أصوات انفجارات متكررة

دفعت تلك التفاصيل فريق تحقيقات "إيكاد" إلى إخضاع الفيديو لتحليل تقني، ومع إعادة تشغيله مرات متتالية، برز نمط متكرر في أصوات الانفجارات، إذ بدا أن صوت الانفجار نفسه يعود مجددًا بعد ثوان قليلة، ثم يتكرر بالإيقاع ذاته تقريبا.

وللتحقق من ذلك، استخرج فريق "إيكاد" التسجيل الصوتي من الفيديو، وقارن بين أصوات الانفجارات المرافقة للمقطع، وقد كشف فحص الشكل الموجي للصوت أن بعض الانفجارات لا تتشابه فقط، بل تكاد تكون نسخة واحدة أعيد استخدامها أكثر من مرة.

وباستخدامنا مخططًا طيفيًا للصوت عبر برنامج "Audacity"، اكتشفنا أن صوت الانفجار المتطابق تكرر بصورة ممنهجة، إذ عاد عند الثواني (8 و19 و29 و39) بفواصل قاربت 10 ثوان، قبل أن يتكرر مجددًا عند الثواني (45 و49 و53) بفواصل أقصر بلغت نحو أربع ثوان فقط.

مرفق 03 أظهر المخطط الطيفي عبر برنامج (Audacity) تكرارًا ممنهجًا لصوت الانفجار نفسه داخل المقطع

لم يكن التشابه في التوقيت وحده، فعند مقارنة الموجات الصوتية للانفجار الأول بالانفجار الذي تلاه، ظهر تطابق شبه كامل في شكل الموجات، كما تطابقت مدة الموجة الأولى في المقاطع التي فحصها الفريق، والتي بلغت 3 مللي ثانية، إضافة إلى تشابه واضح في الترددات الصوتية للانفجارات المتكررة.

لكن في التسجيلات الطبيعية الناتجة عن قصف فعلي، يصعب أن تتكرر الانفجارات بالنمط نفسه أو أن تنتج موجات صوتية متطابقة بهذه الصورة، وهو ما دفعنا إلى فحص بقية عناصر الفيديو بصورة أوسع.

طريقة نطق غير معتادة

ومن زاوية أخرى، تحدثت الفتاة في المقطع كله باللغة الانجليزية، وكانت الجملة الوحيدة التي نطقتها بالعربية هي: "يا ناس.. يا عالم.. اطلعوا من هون.. اطلعوا من الشفاء"، فيما بدا كتحريض لأهالي غزة النازحين في المشفى على الهرب وترك شمال القطاع.

وبتحليل طريقة النطق، تبين أنها مختلفة عن اللهجة المعتادة لأهل غزة، فعند نطق كلمة "اطلعوا"، خرجت أقرب إلى "اتلعوا"، كما استخدمت عبارة "اطلعوا من الشفاء" بدل "اطلعوا من المستشفى" أو "اطلعوا من مستشفى الشفاء".

وفي المقاطع التي نطقتها بالإنجليزية، ظهرت سمات أخرى لفتت انتباهنا، منها وجود صعوبة واضحة في نطق حرف "r" في كلمات مثل "over"، حيث خرج الصوت أقرب إلى حرف "الغين"، إضافة إلى نطق "th" بطريقة أقرب إلى "z" و "s"، وهي خصائص لا تظهر عادة لدى المتحدثين العرب المعتادين على نطق حرف "الراء" بوضوح، وإنما تظهر من فم شخص لغته الأم العبرية أو إحدى اللغات الأوروبية كالفرنسية.

دعم الرواية الإسرائيلية

بدا الفيديو كأنه مُعَد لبناء مشهد يمنحه أكبر قدر ممكن من المصداقية، حيث تقدم امرأة محجبة نفسها كممرضة داخل مستشفى الشفاء، تتحدث عن نقص الأدوية وعجز الأطباء عن علاج المصابين، بينما تتكرر في الخلفية أصوات القصف، قبل أن تنتهي الرسالة بدعوة المدنيين إلى مغادرة المستشفى.

أتى ذلك في وقت كان الاحتلال الإسرائيلي يروج فيه لرواية وجود عناصر من حماس داخل مجمع الشفاء الطبي، وسط تحذيرات أممية وحقوقية متصاعدة بشأن الوضع داخله، ما جعل الفيديو يبدو كجزء من رواية إسرائيلية هدفت إلى نزع الصفة المدنية والطبية عن المستشفى وتبرير استهداف أحد آخر المرافق الصحية الرئيسية الصامدة شمالي قطاع غزة.

وقد وصفت منظمة أطباء بلا حدود الوضع داخله بالكارثي، بينما حذرت منظمة الصحة العالمية من انهيار النظام الصحي في غزة، مع انقطاع الكهرباء ونفاد الوقود وتوقف العمليات الجراحية، وسط تقارير عن وفاة مرضى وأطفال خدج نتيجة تعطل الأجهزة الطبية داخل المجمع.