"إيكاد" توثق خسائر الأمريكيين والإسرائيليين من المسيرات خلال الحرب
تشهد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، استخدامًا مكثفًا للطائرات المسيرة في العمليات الهجومية والاستطلاعية، ما يجعلها سلاحًا مهمًا خلال مجريات الحرب. ورغم تعرض بعض أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية لضربات مكثفة في المراحل الأولى من الحرب، تتواصل الإعلانات الإيرانية -بين آن وآخر- عن إسقاط عشرات المسيرات الأمريكية والإسرائيلية.
ففي البيان رقم 16 الصادر يوم 7 مارس/ آذار 2026، أعلن الجيش الإيراني إسقاط 82 طائرة مسيرة أمريكية وإسرائيلية منذ بدء الحرب. وبعد أقل من أسبوع، أُعلن عن إسقاط 114 طائرة مسيرة، من طرازات هيرمس وهيرون وأوربيتر وإم-كيو 9، مع الإشارة إلى أن 95% من الطائرات المسيرة أسقطت قبل تمكنها من تنفيذ مهامها.
وعبر تتبع المرئيات مفتوحة المصدر، وثَّق فريق "إيكاد"، في الفترة بين 28 فبراير/ شباط و14 مارس/ آذار 2026، 18 حادثة إسقاط لمسيرات؛ منها 14 إسرائيلية، وأربع أمريكية. ويوضح الجدول التالي أنواع هذه المسيرات وأعدادها، بناء على تحليلنا لصور حطامها ومقاطع استهدافها.
كما رصد فريقنا حجم الخسائر المالية التقريبية التي تكبدتها الولايات المتحدة وإسرائيل جراء إسقاط المسيرات التي وثقتها "إيكاد" فقط، حيث بلغت تكلفتها الإجمالية المباشرة نحو 159 مليون دولار، وكانت النسبة الأكبر من نصيب المسيرة الإسرائيلية "MQ-9 Reaper"، التي تبلغ تكلفة الواحدة منها 16 مليون دولار.
فكيف تعرفت "إيكاد" على نوع المسيرات المستهدفة؟
عكف الفريق على دراسة تصاميم وخصائص المسيرات الأمريكية والإسرائيلية المختلفة، ليتسنى له تحديد نوع المسيرات الظاهرة في المقاطع والصور.
يعد هذا النوع من أبرز الأنواع التي يملكها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتُستخدم في مهام الاستطلاع بعيد المدى والمراقبة المستمرة، إضافة إلى دعم العمليات الهجومية. وأمكن التعرف على هذا الطراز في المقاطع وصور الحطام عبر عدد من الخصائص التصميمية الواضحة التي تتطابق مع شكل المسيرة المعروفة.
ومن الممكن تحديد أهم الخصائص التصميمية المتطابقة فيما يلي:
-
ذيل مميز على شكل "V" مقلوب.
-
جسم طويل وانسيابي مع مقدمة مدببة وسميكة
-
جناحان طويلان بامتداد كبير مقارنة مع حجم الهيكل
-
مروحة دافعة خلفية مثبتة في نهاية جسم الطائرة
-
نقاط اتصال واضحة بين الذيل والهيكل ظهرت في صور الحطام
تعد من المسيرات التكتيكية التي تستخدمها إسرائيل بشكل واسع في مهام الاستطلاع والمراقبة الميدانية، حيث توفر معلومات استخباراتية مباشرة لدعم العمليات العسكرية على المستوى العملياتي الميداني. وبمقارنة الصور والمقاطع المرئية مفتوحة المصدر مع شكل المسيرة المعروف
تبين أن أهم الخصائص التصميمية المطابقة ما يلي:
-
ذيل مزدوج متصل عبر عارضة أفقية خلفية.
-
جسم أصغر مقارنة بهيرمس 900
-
جناح مستقيم مثبت أعلى جسم الطائرة
تُعد من المسيرات الإسرائيلية بعيدة المدى، المصممة لمهام الاستطلاع الاستراتيجي والمراقبة طويلة الأمد، وتستخدمها إسرائيل وعدد من الدول في عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية عبر مسافات كبيرة.
وكذلك بمقارنة الصور والمقاطع المرئية مفتوحة المصدر مع شكل المسيرة المعروف
تبين أن أهم الخصائص التصميمية المطابقة ما يلي:
-
جناح طويل عالي الامتداد مثبت أعلى جسم الطائرة
-
ذيل مزدوج مرتفع بتصميم مميز يختلف عن عائلة هيرمس
-
جسم أسطواني طويل مع مقدمة مستديرة
-
مروحة دافعة خلفية
-
حجم أكبر نسبياً مقارنة بالمسيّرات التكتيكية
تعد "MQ-9 Reaper" من أشهر المسيرات القتالية الأمريكية، صُممت بالأساس لتنفيذ الضربات الدقيقة، إضافة إلى مهام الاستطلاع والمراقبة بعيدة المدى. وبمقارنة المسيرة في مقطع الاستهداف مع شكلها المعروف، تبين أن أهم الخصائص الشكلية المطابقة ما يلي:
-
ذيل مميز على شكل "V" مقلوب، بالإضافة لوجود امتداد للذيل لأسفل
-
جناح طويل مستقيم مع أطراف مائلة قليلًا
-
جسم طائرة كبير نسبيًا مقارنة بالمسيّرات الأخرى
-
مروحة دافعة خلفية كبيرة
-
برج استشعار كروي كبير أسفل مقدمة الطائرة
ما المنظومات المستخدمة في عمليات الإسقاط؟
وبعد التعرف على أنواع المسيرات الأمريكية والإسرائيلية المُسقَطة، طُرح سؤال عن كيفية إسقاطها. ومن خلال تحليل القدرات التقنية والتشغيلية لعدد من منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، وضع مختصو "إيكاد" فرضيتين رئيسيتين بشأن المنظومات التي يرجح أنها استُخدمت لإسقاط المسيرات الإسرائيلية والأمريكية في الحرب الجارية: الأولى "صقر/ 358"، والثانية "مجيد - AD-08 Majid" أو مثيلاتهما من منظومات قصيرة المدى ذات التوجيه الكهروبصري.
يرجح الفريق فرضية استخدام "صقر 358" إلى حد كبير، لا سيما عندما يكون الحديث عن إسقاط مسيرات تحلق على ارتفاعات متوسطة أو متغيرة. حيث توصف المنظومة في المصادر التحليلية الغربية كسلاح غير تقليدي يجمع بين خصائص الصاروخ الجوي والذخيرة الجوالة. وهو ما يجعل استخدامها في مواجهة مسيرات مثل "هيرمس 900" أو "MQ-9" أمرًا منطقيًا.
كما أن التجارب السابقة تعزز من هذه الفرضية، إذ كان لهذه المنظومة سجل لافت فوق سماء اليمن، حيث أسقط الحوثيون من خلاله العديد من طائرات "MQ-9". وبمقارنة مقطع إسقاط مسيرة نشره الحوثيون مع آخر خلال الحرب الجارية، لاحظ فريق "إيكاد" تشابه طريقة التصوير بين المنظومتين
وإلى جانب اليمن، ظهرت مؤشرات على وصول "صقر 358" إلى "حزب الله" في لبنان، وهو ما كشفه فريق "إيكاد"، في تحليل سابق، بعد بداية المعارك عقب "طوفان الأقصى"، وقد ساهم كذلك في إسقاط العديد من المسيرات الإسرائيلية إبان الحرب.
أما بخصوص فرضية استخدام منظومة مجيد (Majid / AD-08)، فيبدو الاحتمال واردًا حين يكون الحدث متعلقًا باعتراض مسيرات اخترقت المجال الإيراني على ارتفاع منخفض أو متوسط، فوق جبهة داخلية أو قرب منشآت حساسة، لأن هذه المنظومة صُممت بالأساس كدفاع جوي قصير المدى عالي الحركة لمواجهة المسيرات وصواريح الكروز والمروحيات.
إضافة إلى ما سبق، رجحت بعض الحسابات الإيرانية استخدام منظومة "قائم 118" في اعتراض المسيرات الأمريكية والإسرائيلية. ويشار إلى أن إيران كشفت عن هذه المنظومة حديثًا كطبقة دفاع قصيرة/ متوسطة نسبيًّا، مضادة للمسيرات والطائرات المنخفضة، بمدى معلن يصل إلى 25 كيلومترًا، مع مزيج من الرادار والتتبع الكهروبصري والحراري. لكن يرى فريق "إيكاد" عدم ترجيح هذا الاحتمال، وذلك لأنه حديث نسبيًا، وموجه بشكل أكبر للأهداف منخفضة السرعة والارتفاع كالطائرات المروحية.
وبناء على ما سبق، يُحتمل أن تكون إيران استخدمت طبقات دفاع جوي متعددة في مواجهة المسيرات الأمريكية والإسرائيلية: "مجيد" للدفاع القريب وحماية المنشآت والمواقع، و"قائم 118" للدفاع قصير ومتوسط المدى، و"صقر 358" للتتبع عبر الليزر للمسيرات ذات المهام الاستخباراتية والاشتباك معها.
الخلاصة
وثق فريق "إيكاد"، خلال الأسبوعين الأولين للحرب، إسقاط إيران لـ 18 مسيرة أمريكية وإسرائيلية، محددًا أنواعها وكلفتها ومنظومات الدفاع الإيرانية التي من المحتمل أن الاستهداف كان عن طريقها.
ومن المهم التأكيد هنا على أن الإحصاءات الواردة في هذا التحقيق مبنية على المرئيات مفتوحة المصدر فقط، وبالتالي فإنها لا تفيد حصر كل الاستهدافات والإسقاطات، لكنها تعني فقط أن هذا ما توصل إليه الرصد عبر المصادر المفتوحة. فعلى سبيل المثال، رصد الفريق 4 إسقاطات فقط لمسيرات من نوع "MQ-9"، في حين نقلت قناة "CBS news" عن مسؤولين أمريكيين أن الولايات المتحدة فقدت 11 مسيرة من ذات النوع.
وبشكل عام، تعد منظومة الدفاع الجوي الإيرانية نقطة ضعف رئيسية في القدرات العسكرية لطهران، كما يرى العديد من الخبراء والمحللين العسكريين، وقد تعرضت لضربات كثيفة منذ بدء الحرب، ما منح الطيران الإسرائيلي والأمريكي حرية حركة نسبية فوق السماء الإيرانية.
لكن مواصلة طهران استهداف المسيرات الأمريكية والإسرائيلية الثقيلة والتمكن من إسقاط العشرات منها يعني أن العسكرية الإيرانية لا تزال تملك من الوسائل والقدرات ما يمكنها من تكبيد خسائر اقتصادية كبيرة لواشنطن وتل أبيب، نظرًا للكلفة الكبيرة لهذه الطائرات.
فضلًا عن أن الاستمرار في هذا النهج يؤدي إلى تقليص قدرة الإسرائيليين والأمريكيين على الاستطلاع الجوي، خصوصًا وأن هذه المسيرات تستخدم، في المقام الأول، لمراقبة المنصات المحتملة لإطلاق الصواريخ البالستية تجاه دولة الاحتلال الإسرائيلي. وهو ما يعني بالتبعية تواصل القدرة الإيرانية على ضرب هذه الأهداف، ما يؤدي إلى استنزاف مستمر لمنظومات الدفاع الجوي باهظة الثمن لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل.