الأرض ليست مسطحة… حتى في ذاكرة التراث الإسلامي
في زمن الصور القادمة من الفضاء، ورحلات الطيران العابرة للمحيطات، والخرائط الرقمية التي تحملها هواتفنا، تبدو فكرة الأرض المسطحة كأنها مزحة عابرة. لكنها، على العكس، تحولت في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الخرافات العلمية قدرة على الانتشار، لا لأنها تملك برهانًا، بل لأنها تعرف كيف تستثمر الشك العام في المؤسسات، وتغذي إحساسًا زائفًا بأن الحقيقة الكبرى مخفية عن الناس.
والغريب أن بعض دعاة الأرض المسطحة يقدمون فكرتهم كما لو كانت عودة إلى حكمة القدماء، أو إلى "الأصل" الذي أفسدته الحداثة. لكن التاريخ يقول شيئًا آخر، وهو أن كروية الأرض ليست اختراعًا حديثًا، ولا خدعة فضائية بدأت مع الأقمار الصناعية، بل حقيقة أدركها الفلكيون والرياضيون قبل أكثر من ألفي عام، ثم ورثها علماء الحضارة الإسلامية وطوروها ودرسوها وطبقوها في الجغرافيا والفلك وحساب القبلة والمواقيت.
حين قاس الإنسان الأرض بظل عصا
هذا الدليل المشاهَد ليس معقدًا، ولذا ليس مستغربًا أن يصل فلاسفة اليونان وفلكيوها القدماء إلى فكرة "كروية الأرض"، التي كانت في أول الأمر بمثابة ملاحظة عامة أو فرضية فلسفية، حتى جاء إراتوستينس (276 - 195/194 ق.م تقريبًا)، في القرن الثالث قبل الميلاد، ليتساءل عن حجم هذه الكرة، وهو ما حوّل الفكرة من مجرد ملاحظة عامة إلى مسألة هندسية حسابية.
كان إراتوستينس يعمل في الإسكندرية، المدينة التي كانت يومًا إحدى عواصم العلم في العالم القديم. عَلِم أن الشمس في أسوان، وقت الظهيرة في يوم الانقلاب الصيفي، تكون شبه عمودية، بحيث لا يكون للأجسام حينها ظل يُذكر، لكنّ ظلّها يُرى بشكل طبيعي في الإسكندرية.
لو كانت الأرض مسطحة، لكان سقوط أشعة الشمس متماثلًا في المدينتين، لكن اختلاف الظل كشف له أن سطح الأرض منحنٍ. ومن هذه الفكرة البسيطة، صنع إراتوستينس واحدة من أجمل التجارب في تاريخ العلم، حيث قاس زاوية الظل في الإسكندرية، وربطها بالمسافة بين الإسكندرية وأسوان، ثم استنتج من ذلك محيط الأرض.
كان افتراضه الأساسي أن أشعة الشمس تصل إلى الأرض شبه متوازية بسبب بعدها الشاسع، ولذلك فإن اختلاف الظل بين مدينتين يعكس اختلاف موضعهما على سطح كرة كبيرة. لم تكن القيمة التي وصل إليها مطابقة تمامًا للقياسات الحديثة، وهذا طبيعي بسبب مشكلات وحدات القياس القديمة والمسافة بين المدينتين، لكنها كانت في النطاق الصحيح إلى حد كبير.
من الإسكندرية إلى بغداد: الكروية تدخل بيت الحكمة
لم تُنقل علوم اليونان والفرس والهنود إلى العربية في العصر العباسي على أنها روايات أدبية أو أخبار طريفة، بل دخلت في مشروع واسع للترجمة والمراجعة والحساب والرصد. وفي هذا السياق، لم تكن كروية الأرض مسألة هامشية، بل كانت جزءًا من البناء الرياضي للفلك والجغرافيا. ففي عهد الخليفة المأمون (170-218 هـ / 786-833 م)، ظهر مشروع لافت لقياس محيط الأرض. خرج فلكيون إلى سهول واسعة، ليقيسوا المسافة اللازمة لتغير ارتفاع نجم أو أي جسم سماوي بمقدار درجة واحدة.
والفكرة في جوهرها بسيطة: إذا كانت الأرض كرة، والكرة تتخذ شكلًا دائريًا في أي موضع لها، والدائرة الكاملة تساوي 360 درجة كما تعلمنا في المدارس صغارًا، فإن قياس طول درجة واحدة من سطح الأرض يسمح بحساب المحيط كله. كان الناتج آنذاك نحو 40 ألف كيلومتر، وهي قيمة قريبة جدًا من محيط الأرض المعروف اليوم. هذه التجربة تدل على أن علماء المسلمين في عصرهم الذهبي تجاوزوا السؤال عن كروية الأرض أو تسطحها، بل طبقوا عليها -ككرة- ما تعلموه من الرياضيات والعلوم.
كروية الأرض كحاجة يومية
لعل من أجمل ما يميز التراث الفلكي الإسلامي أن البحث في شؤون السماء لم يكن ترفًا فكريًا، بل كان مرتبطًا بحياتهم اليومية؛ مثل تحديد أوقات الصلاة ورؤية هلال الشهور ومعرفة الاتجاهات وحساب القبلة. وكل هذه المسائل دفعت العلماء إلى تطوير أدوات فلكية ورياضية دقيقة. فحساب اتجاه القبلة من أي مدينة إلى مكة ليس مجرد خط مستقيم مرسوم على ورقة مسطحة.
فعلى السطح الكروي، يكون أقصر مسار بين نقطتين عبارة عن قوس من دائرة مكتملة، وحساب هذا الاتجاه يحتاج إلى معرفة خطوط الطول والعرض، وكذلك إلى هندسة كروية. ولذا درس مؤرخو العلم، مثل ديفيد كينغ، كيف أصبحت القبلة مجالًا لتطبيق الجغرافيا الرياضية والفلك الكروي في الحضارة الإسلامية. وهو ما يكشف مفارقة كبيرة، فمن يزعم اليوم أن "كروية الأرض" فكرة وافدة غريبة على التراث ينسى أن جزءًا من هذا التراث بنى حساباته الدينية واليومية على نموذج كروي للأرض والسماء.
ذاكرة رقمية قبل الحاسوب
بناء على ذلك، ظهر في التراث الفلكي الإسلامي نوع من الكتب يسمى "الزيج"، وهي جداول فلكية تضم حسابات لحركة الشمس والقمر والكواكب والنجوم، وتساعد على معرفة المواقيت والكسوف والخسوف والمواقع السماوية. وقد أحصى مؤرخ العلوم الأمريكي إدوارد كيندي، في دراسته الكلاسيكية بعنوان "مسحٌ للأزياج الفلكية الإسلامية"، عددًا كبيرًا من هذه الأزياج المكتوبة بالعربية والفارسية بين القرنين الثامن والخامس عشر.
وجود هذا التراث الطويل من الجداول لا يعني فقط أن المسلمين نقلوا الفلك القديم، بل إنهم عاشوا داخله حسابًا ومراجعة وتصحيحًا. والفلك الذي ينتج الأزياج، ويرصد الخسوف والكسوف، ويحسب القبلة، ويقيس خطوط العرض، لا يستطيع أن يعمل بكفاءة على تصور ساذج لأرض مسطحة تحت قبة بسيطة. لقد كان النموذج الكروي، حتى حين اختلط بتصورات بطلمية عن مركزية الأرض، جزءًا أساسيًا من الهندسة التي اشتغل بها الفلكيون.
الأرض من فوق الجبل
ثم جاء أبو الريحان البيروني، أحد أعظم العقول العلمية في الحضارة الإسلامية، ليقدم طريقة أخرى أكثر أناقة لقياس نصف قطر الأرض. لم يحتج البيروني إلى إرسال فريقين في الصحراء، بل احتاج إلى جبل، وأفق مفتوح، وأداة قياس زويا، وحساب مثلثات.
تقوم فكرته على أن الراصد من قمة جبل يرى الأفق منخفضًا قليلًا عن الخط الأفقي الحقيقي. يحدث هذا الانخفاض الصغير بسبب انحناء الأرض. فإذا عرفنا ارتفاع الجبل، وقسنا زاوية انخفاض الأفق من قمته، أمكننا حساب نصف قطر الأرض. إنها تجربة عبقرية لأنها تستخرج حجم الكوكب من علاقة بين عين الإنسان وخط الأفق.
وفي دراستها عن البيروني، تشير الباحثة أميليا كارولينا سبارافينيا، أستاذة الفيزياء بجامعة بوليتكنيكو تورينو في إيطاليا، إلى أنه استخدم حسابات مثلثية في هذه العملية، وأنه توصل إلى صيغة بسيطة لقياس نصف قطر الأرض. وتذكر أن قياسه ارتبط بمنطقة حصن ناندانا في البنجاب، وأن القيمة التي خرج بها، بحسب تحويل معين للميل العربي، كانت قريبة من القيمة المرجعية الحديثة بدرجة لافتة، إذ اختلفت بنحو 2% فقط عن متوسط نصف قطر الانحناء عند خط عرض القياس. وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها تنقل النقاش من سؤال بدائي عن كروية الأرض من تسطحها، إلى سؤال علمي أدق وهو: كيف نقيس حجم هذه الكرة؟
نصوص التراث: حين يقول العلماء ما لا يتوقعه المسطحون
الأهم من التجارب أن فكرة كروية الأرض ظهرت صريحة في كتب تراثية متعددة. ففي رسائل إخوان الصفا، وهي موسوعة فكرية كتبت في القرن الرابع الهجري تقريبا، نجد قولًا مباشرًا بأن "الأرض جسم مدوّر مثل الكرة"، وأن الهواء محيط بها من جميع الجهات، وأن الأرض بما عليها من بحار تمثل كرة واحدة.
وعند ابن حزم الأندلسي نجد معالجة مختلفة؛ فهو لا يورد المسألة بوصفها حسابًا فلكيًا فقط، بل يُدخلها في نقاش ديني وعقلي. إذ يقول ابن حزم إن البراهين أثبتت أن الأرض كروية، ويجادل بأن القول بتكويرها ينسجم مع اختلاف أوقات الزوال والصلوات بين البلدان، وهذا مهم لأنه يبين أن كروية الأرض لم تكن حبيسة كتب الفلكيين، بل وصلت إلى سجالات المتكلمين والفقهاء.
وفي "مجموع الفتاوى" المنسوب لابن تيمية، ترد نصوص تنقل عن ابن المنادي وغيره أن العلماء اتفقوا على أن "السماء على مثال الكرة"، وأن الأرض بما فيها من بر وبحر "مثل الكرة"، مع الاستدلال باختلاف طلوع الشمس والقمر والكواكب وغروبها بين جهات الأرض، وسواء قرأنا هذه النصوص قراءة فقهية أو تاريخية، فهي تكفي لهدم الادعاء الشائع بأن التراث الإسلامي كان، في جملته، متبنيًا لأطروحة الأرض المسطحة.
أما الإدريسي، الجغرافي الشهير في القرن السادس الهجري، فقد قدم في كتابه الجغرافي الكبير تصورًا واضحًا للأرض المستديرة. صحيح أن خرائطه، مثل خرائط كثيرة في العصور الوسطى، رسمت على هيئة مسطحة لأغراض التمثيل، لكن هذا لا يعني أنه كان يعتقد أن الأرض قرص مسطح. فالخريطة دائمًا تسطيح لسطح كروي، كما نفعل نحن اليوم حين نرسم العالم على ورقة أو شاشة.
التراث ضد الخرافة لا معها
من المفارقات المؤلمة أن بعض المدافعين عن الأرض المسطحة في العالم العربي يحاولون الاحتماء بالتراث، بينما التراث العلمي الإسلامي نفسه يقف ضدهم. فالفلكيون المسلمون قاسوا الأرض، والجغرافيون رسموا خرائطها، والفقهاء ناقشوا اختلاف المواقيت على سطحها، والرياضيون طوروا حسابات تفترض كرويتها.
ليس المطلوب أن نحول التراث إلى معجزة، ولا أن ندعي أن كل معرفة حديثة موجودة فيه مسبقًا. هذا خطأ شبيه بخطأ المسطحين، لأنه يستخدم التاريخ لإثبات رغبة معاصرة. المطلوب هو قراءة التراث كما كان، جهدًا إنسانيًا عظيمًا، فيه الصواب والخطأ، لكنه في أفضل لحظاته كان منحازًا إلى البرهان والعلم، لا إلى الخرافات والأوهام.
نعم، أخطأ القدماء في أشياء كثيرة، وهذا طبيعي. لكنهم حين نظروا إلى ظل الأرض على القمر، وإلى اختلاف النجوم باختلاف البلاد، وإلى تغير الظلال بين المدن، امتلكوا الشجاعة الكافية ليقولوا إن الأرض أكبر من الحس المباشر. فالعين ترى السطح مستويًا، لكن العقل يرى الانحناء المختبئ وراء الظواهر.
وهنا بالضبط تكمن قيمة العلم، أن يحررنا من خداع القُرْب. فالأرض تحت أقدامنا تبدو مسطحة لأننا صغار للغاية بالنسبة لها، كما تبدو صفحة البحر مستوية لمن يقف على الشاطئ، مع أنها جزء من كرة هائلة. ليست الحواس كاذبة، لكنها محدودة. والعلم لا يهين الحواس، بل يمدها بالأداة والرياضيات والخيال المنضبط.