قاعدة البيانات
مقال

"الرماضين" تحت الحصار.. كيف يمهد الاحتلال لضم بلدة جنوب الخليل؟

5/6/2026

في صباح الخميس 19 يونيو/ حزيران 2025، أطبقت قوات الاحتلال الإسرائيلي على مداخل بلدة الرماضين جنوب الخليل وأعلنت حظر التجوال. أطلق الجنود قنابل الغاز والقنابل الصوتية على المواطنين، ثم استقدموا الجرافات. وعلى مدى الساعات التالية، حفرت الجرافات خندقًا بعمق مترين ونصف أمام واجهات المحال التجارية الممتدة على طول الطريق الرئيسي، ورفعت سواتر ترابية أمام البوابات، وقطعت كوابل الكهرباء. وحين انسحبت الجرافات في المساء، كان الطريق التجاري الذي يربط البلدة بمدينة الظاهرية قد تحوّل إلى خندق طويل تفصله سواتر التراب عن دكاكينه.

ما حدث في ذلك الصباح كان مرحلة أولى، أما الثانية فبدأت في 18 أغسطس/ آب 2025؛ حيث عادت الآليات بأعداد أكبر، فهدمت منشآت بأكملها، وشقّت طريقًا عسكريًا جديدًا، ونصبت حاجزًا دائمًا عند المدخل الشمالي للبلدة، كما أنها أقامت بؤرة استيطانية جديدة مجاورة للمدخل.

مرفق 01 موقع بلدة الرماضين جنوب غرب مدينة الظاهرية في محافظة الخليل 

يستعرض هذا التقرير ما حدث في الرماضين بين يونيو/ حزيران وأكتوبر/ تشرين الأول 2025، ساعيًا لفهم طبيعة العمليات التي نفذها الاحتلال داخل البلدة، ومتسائلًا عن السبب الذي يجعل الرماضين هدفًا لخطة إسرائيلية استيطانية ممتدة.

لماذا الرماضين تحديدًا؟

يصف الفلسطينيون البلدة بأنها "بوابة الجنوب"، وذلك لأنها تمثل نقطة وصل بين ثلاث مناطق جغرافية حساسة؛ مناطق النقب داخل أراضي 1948 من الجنوب، ومدن الضفة الغربية من الشمال، وسلسلة المستوطنات الإسرائيلية من الشرق والغرب. كما أنها محاطة بثلاث مستوطنات؛ من غربها "أشكولوت"، ومن جنوبها وشرقها "سنسانة" و"تنيه عومريم". 

وفي منتصف هذا المثلث الاستيطاني تقع البلدة الفلسطينية، ما يعني أنها تعترض جغرافيًا خط الوصل المباشر بين المستوطنات الثلاث. وبالتالي، فإن ربط هذه المستوطنات في كتلة استيطانية واحدة يستلزم إفراغ المنطقة الفاصلة بينها، والتي يقدر فريقنا أن مساحتها -من خلال القياس المباشر عبر خرائط "Google Earth"-  تتراوح من 24 إلى 25 كيلومترًا مربعًا.

مرفق 02 المساحة المقدّرة (24-25 كم²) التي يتوقع فريق إيكاد أن تشكل النطاق الاستيطاني المتكامل في حال اكتمال السيطرة على الرماضين

من الإخطار إلى الحفر

في 12 يونيو/ حزيران 2025، كشف مدير بلدية الرماضين أنيس زعارنة -خلال لقاء تلفزيوني- عن تسليم قوات الاحتلال 30 إخطار هدم لأصحاب محال تجارية على الطريق الواصل بين الظاهرية والرماضين، ضمن ما سمّاه جيش الاحتلال الإسرائيلي "تنظيم المنطقة".

مرفق 03 مقابلة أنيس زعارنة مدير بلدية الرماضين على تلفزيون الفجر، 12 يونيو/ حزيران 2025

وبعد أسبوع من الإخطارات، نفذ جيش الاحتلال الموجة الأولى من العمليات؛ ففي صباح الخميس 19 يونيو/ حزيران 2025، أغلقت قوات الاحتلال مداخل البلدة وفرضت حظر تجوال، وأطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية على المواطنين، ثم بدأت بحفر خندق أمام واجهات المحال التجارية يتراوح عمقه وعرضه بين متر ونصف ومترين ونصف.

وإلى جانب الحفر، رفعت القوات سواتر ترابية أمام أبواب المحال، وقطعت كوابل الكهرباء الموصلة إليها. وكانت النتيجة المباشرة قطع الوصول بين السكان ومحالهم التجارية على نحو يمنع أي نشاط اقتصادي.

وبعدها بأسبوعين، وتحديدًا في 6 يوليو/ تموز 2025، نُشر تقرير ميداني مصور يكشف عمق الخنادق وحجم الأضرار اللاحقة بواجهات المحال، وظهرت فيه الخنادق المحفورة على طول الطريق والدكاكين المغلقة بالسواتر الترابية، ما يثبت استمرار الوضع لأسبوعين بعد التنفيذ الأول دون أي تراجع من جيش الاحتلال.

مرفق 04 لقطة من تقرير شبكة الجزيرة المصور في 6 يوليو 2025 يظهر فيها الخندق المحفور أمام واجهات المحال التجارية

الموجة الثانية والتوسع

وبعد شهرين من الحفر الأول، وتحديدًا في 18 أغسطس/ آب 2025، عادت قوات الاحتلال بآليات أكبر، وحينها شقت الآليات طريقًا عسكريًا جديدًا على جانب مدخل المدينة، وأقامت بؤرة استيطانية جوار الطريق الجديد، ونصبت حاجزًا عسكريًا دائمًا يتحكم بدخول السكان وخروجهم من البلدة. وهو ما يعني الانتقال -عمليًا- من مجرد حفر الخنادق إلى إنشاء بنية تحتية استيطانية متكاملة.

ما الذي تخبرنا به الأقمار الصناعية؟

للتحقق من توقيت العمليات وامتدادها، عاد فريقنا إلى صور الأقمار الصناعية المتاحة من منصة "Sentinel Hub"، حيث تأكد أن موقع العمليات هو الطريق رقم (354) شمال بلدة الرماضين.

قبل
بعد

كما كشفت المقارنة بين الصور قبل الفترة المرصودة وبعدها عن تغيرات واضحة في الطريق وما حوله؛ ففي صورة 8 أكتوبر/ تشرين الأول، اختفت مساحات الحركة التجارية التي كانت موجودة في الصورة الملتقطة يوم 10 يونيو/ حزيران، وحلّت محلها آثار الحفر والتجريف

مرفق 05 تحديد موقع الطريق (354) جنوب الظاهرية وقربه من مستوطنة أشكولوت 

ستمائة متر إلى "أشكولوت"

أبرز ما كشفه التحليل الجغرافي للموقع هو قربه من مستوطنة "أشكولوت". حيث تبين أن المسافة المباشرة بين الطريق (354) — حيث جرت عمليات الحفر والهدم — وبين المستوطنة، 600 متر فقط. وهو ما يعني أن العمليات جرت -ولا تزال- على الحدود المباشرة لمستوطنة قائمة.

مرفق 06 قياس المسافة بين الطريق الحيوي (354) ومستوطنة أشكولوت يساوي 600 متر.

وحين يجتمع قرب المسافة مع توقيت الهدم وامتداد الحفر على طول الطريق التجاري، يتقدم احتمال أن العمليات جزء من خطة لتوسيع المستوطنة على حساب الأرض الفلسطينية المجاورة.

واستنادًا إلى التقاطع بين توقيت العمليات وموقعها وامتدادها، من الممكن القول إن الهدف من هذه الإجراءات تصعيب الظروف المعيشية على أهالي البلدة لدفعهم إلى ترك أرضهم وممتلكاتهم، تمهيدًا للسيطرة الكاملة على الشريط الواصل بين الظاهرية والرماضين، ضمن مخطط التوسع الاستيطاني المتسارع جنوب الضفة الغربية، وإن لم يتأسس على وثيقة إسرائيلية معلنة تفصح عن النية مباشرة.