بين اتهام سوداني ونفي ليبي.. ما حقيقة دور كتيبة “سبل السلام” الليبية في خط إمداد الدعم السريع؟
في السادس من يونيو / حزيران 2025، توغّلت قوة مسلحة ليبية من كتيبة “سبل السلام” التابعة لخليفة حفتر نحو ثلاثة كيلومترات داخل الأراضي السودانية عند جبل العوينات، واشتبكت مع القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش السوداني، فأسقطت منهم جنودًا وأسرت آخرين، وصوّر أحد مقاتليها المشاهد بنفسه.
وبالرغم من إعلان قائد “سبل السلام”، الشيخ هاشم عبد الرحمن (الكيلاني)، أن ما حدث “سوء تفاهم”، اتهم الجيش السوداني قوات خليفة حفتر في ليبيا بدعم العمليات، معتبرًا ذلك “خرقًا صريحًا للسيادة السودانية وانتهاك للقانون الدولي”. وفي المقابل، نفت سلطات شرق ليبيا التابعة لحفتر انخراطها في الصراع السوداني، مؤكدة وقوفها على مسافة واحدة من طرفيه.
وبين الاتهامات السودانية والنفي الليبي، سعى فريق “إيكاد” للتحقق من طبيعة الدور الذي تضطلع به قوات حفتر، وتحديدًا كتيبة “سبل السلام”، ومدى انخراطها في الصراع السوداني الداخلي.
تحليل شبكة الحسابات المرتبطة بالكتيبة
انطلق التحقيق من تحليل شبكة الحسابات المرتبطة بكتيبة “سبل السلام”، وكانت البداية من صفحة الكتيبة الرسمية على الفيسبوك، والتي أوصلتنا بدورها إلى حسابات عدد من أبرز قياديي الكتيبة؛ مثل أحمد سعد بونخيلة، القائد المؤقت للكتيبة، وعبد الرحيم سلطان بوبعيدة، المسؤول المالي فيها، وفؤاد أقويطين، أحد أبرز المسؤولين عن تأمين خطوط الإمداد عبر الحدود الليبية السودانية.
كما رصد فريقنا عددًا من الحسابات الإعلامية العاملة بالتنسيق مع الكتيبة؛ مثل الكاتب الصحفي عبد الله سليمان حامد، الذي يشغل منصب مدير المكتب الإعلامي في المجلس البلدي بالكفرة، ويعمل مذيعًا في إذاعة الكفرة. وكذلك مراسل قناة ليبيا الحدث، محمد بوشليف، الذي غطّى عروضًا عسكرية لسبل السلام. ومصطفى لوجلي، وهو مصور يعمل في شعبة الإعلام الحربي ويقيم في الكفرة. وأخيرًا، حساب أحد أفراد عائلة “الزوي” المرتبطة بالكتيبة، فرج محمد.
أدلة بصرية من حسابات الشبكة
بالبحث في هذه الحسابات، لا سيما الخاصة بالإعلاميين، وغيرها من الحسابات المرتبطة بالأحداث على مواقع التواصل الاجتماعي، تمكنّا من الوصول إلى عدد من المقاطع والصور التي ساهمت في مسار هذا التحقيق.
فعلى سبيل المثال، نشر الليبي فرج محمد -أحد الحسابات المرتبطة بالكتيبة الليبية- مقاطع يظهر فيها قتلى وأسرى يبدو أنهم من الجيش السوداني، وذلك في ذات اليوم الذي تحدثت فيه الأنباء عن توغل “سبل السلام” داخل الأراضي السودانية.
كما رصد الفريق مقطعًا -نشرته حسابات داعمة للجيش السوداني- يظهر فيه أسيران من “سبل السلام” أسرتهما القوات المشتركة السودانية خلال مواجهات جبل العوينات. اللافت أن الإعلامي المرتبط بالكتيبة، عبد الله سليمان حامد، نشر صور أحد الأسيرين، مؤكدًا انتسابه لـ “سبل السلام”. كما رصدنا ظهور الأسير نفسه قبل الأحداث في عرض عسكري صوّره المصور مصطفى لوجلي.
وفي مقطع آخر نشره فرج محمد مستنكرًا سعادة بعض عناصر القوات المشتركة السودانية بالسيطرة على بعض المركبات خلال إحدى المعارك، ومن بين هذه المركبات ظهرت عربة جيب عسكرية تحمل الرقم 15. واللافت أن فريقنا وجد ذات العربة مشاركة في عرض عسكري صوّره مصطفى لوجلي، وفي مقطع آخر نشرته شعبة الإعلام الحربي لجيش حفتر.
مما سبق، يتضح أن الأدلة البصرية التي حللها فريق “إيكاد” -بعد الحصول عليها من حسابات تشير عدد من الأدلة إلى ارتباطها بالكتيبة الليبية- تعزز من احتمالية انخراط قوات كتيبة “سبل السلام” في الصراع الداخلي السوداني، سواء عبر التعاون المباشر مع الدعم السريع في المواجهات المباشرة، أو تسهيل وتأمين طرق الإمداد.
توافق زماني ومكاني
رصدنا كذلك مقطعًا -نشره حساب سوداني- يُظهر قافلة من عربات جيب عسكرية تتجه نحو حدود السودان. وعلى الفيديو شعار سبل السلام بجانب شعار الدعم السريع، ويظهر في الخلفية جزء من الجبال الحدودية. والكلمات على الفيديو: “جبل العوينات — المجموعة 20 — سبل السلام + قوات الدعم السريع”.
تزامن هذا المقطع مع لقطات نشرها الدعم السريع، في 16 يونيو/ حزيران، من داخل قاعدة “كرب التوم”. وبتحليل المعالم الظاهرة، تأكد فريق “إيكاد” من أن هذه اللقطات صُورت بالفعل من داخل القاعدة التي يحدها من الشمال مباشرة المثلث الحدودي المحاذي لليبيا، وهي ذاتها المنطقة التي توغلت فيها “سبل السلام” قبل 10 أيام فقط. وإثرها، أعلن الجيش السوداني، في 10 يونيو/ حزيران 2025، انسحابه من المنطقة، فيما أعلن الدعم السريع سيطرته على المثلث الحدودي وجبل العوينات.
يعزز هذا التسلسل الزماني والمكاني من احتمال أن الهجوم انطلق بالأساس من جهة الأراضي الليبية، فمن سيطر على المثلث الحدودي شمالًا، تقدم بعدها بأيام نحو الجنوب إلى “كرب التوم”.
جسر جوي فوق الكفرة
لم يكتف فريق “إيكاد” بالأدلة البصرية الميدانية، فانتقل لتتبع ما يجري فوق سماء الكفرة جنوب شرق ليبيا. وبعد تحليل صور الأقمار الصناعية الملتقطة لمطار الكفرة منذ مطلع 2025، رصد الفريق نشاطًا لافتًا خلال الأشهر الأخيرة لطائرات، رجح الفريق أنها من طرازي “Ilyushin IL-76” و”Antonov-26″، المخصصتين للشحن التجاري والعسكري.
كان التصاعد في عدد الرحلات لافتًا، فبعد رصدنا هبوط ثلاث طائرات في المطار خلال ثلاثة أشهر، تضاعف هذا الرقم أكثر من 10 مرات خلال الأشهر الثلاثة التالية؛ فمن أبريل/ نيسان حتى يوليو/ تموز 2025، رصد فريقنا 35 طائرة شحن هبطت في مطار الكفرة، وذلك حسب صور الأقمار الصناعية المتاحة.
تزامَن هذا التصاعد مع أحداث المثلث الحدودي وسيطرة الدعم السريع على كرب التوم. وهو ما يعطي احتمالًا بأن هدف هذه الرحلات دعم قوات الدعم السريع في معاركها ضد الجيش السوداني، بعد مرحلة خسرت فيها ولايتَي الجزيرة والخرطوم.
تطورات في قاعدة تابعة لـ “سبل السلام”
بالإضافة لما سبق، كشفت منصة “S leaks”، عام 2023، عن قاعدة لسبل السلام تُستخدم لدعم قوات الدعم السريع وتدريب المقاتلين وإرسال العربات. ونشرت المنصة إحداثيات لم تقدنا مباشرة إلى المواقع الظاهرة في فيديو التسريب نفسه، ما دفع فريقنا للبحث في الصحراء والمناطق المحيطة بالكفرة والجوف جنوب شرق ليبيا.
تمكن الفريق من التعرف على موقع لوجستي في مناطق “سبل السلام”، على بعد نحو 10 كيلومترات من مطار الكفرة، عند الإحداثيات: 24.245016972248955, 23.235032037060208.
وبين أبريل / نيسان وأغسطس / آب 2025، وهي الفترة ذاتها التي ازداد فيها الطيران إلى المطار، تطوّر هذا الموقع بشكل واسع؛ فظهرت مستودعات جديدة، وفُتحت طرق داخلية، وتغير عدد العربات الموجودة في منطقة الصيانة عدة مرات، ما يُرجَّح معه وصول آليات جديدة ومغادرتها. وقد تدعم هذه المؤشرات احتمالية أداء الموقع دورًا ضمن سلسلة الإمداد من الكفرة إلى المثلث باتجاه كرب التوم والفاشر.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا الآن؟
يأتي تفعيل هذا المسار بعد سلسلة من الانسدادات في مسارات إمداد أخرى كان الدعم السريع يعتمد عليها منذ بداية حربه مع الجيش السوداني عام 2023.
فلم يعد مطار نيالا -الذي عمل كنقطة انطلاق لجسر جوي منذ سيطرة الدعم السريع عليه في الربع الأخير من عام 2023- آمنًا، إذ شن عليه سلاح الجو السوداني غارات متكررة، ما أدى إلى تدمير بعض أجزائه وطائراته جزئيًا أو كليًا.
وبعد رصد عشرات الرحلات الجوية التي تهبط في مطار أم جرس بتشاد، لتنتقل بعدها برًا إلى غرب دارفور، اعتبر الجيش السوداني هذا المسار هدفًا مشروعًا، كما واجهت السلطات التشادية ضغوطًا إقليمية ودولية متصاعدة. وهو ما يجعل هذا المسار -كسابقه- غير آمن.
وبالتالي، مع تقلّص الإمدادات عبر مسار نيالا بفعل الغارات، وتراجع مسار تشاد، لم يبقَ للدعم السريع خيار يجمع الأمان الجوي بالوصول البري إلى دارفور غير مسار الإمداد الليبي.
وفي هذا السياق، تشير كل الدلائل السابقة إلى تصاعد كثافة دعم كتيبة “سبل السلام” لقوات الدعم السريع خلال الأشهر الأخيرة، من خلال تفعيل مسار إمداد يبدأ من مطار الكفرة شرق ليبيا، لينطلق برًا نحو الجوف، مرورًا بالمثلث الحدودي وكرب التوم، وذلك لتعزيز قدرات الدعم السريع في الفاشر ومناطق النزاع الأخرى.
جدير بالذكر أن هذا المسار لا يمر عبره العتاد وحده. فبحسب الاستخبارات العسكرية السودانية، تُدير سبل السلام معسكرات لتدريب مقاتلين قادمين من تشاد والنيجر قرب مطار الكفرة، أحدها في مزرعة المسؤول المالي للكتيبة عبد الرحيم سلطان بوبعيدة. ويتسق ذلك مع ما وثّقه تحقيق “فرانس 24” من تأمين الكتيبة لممرات عبور المرتزقة الأجانب إلى ساحات القتال السودانية.