قاعدة البيانات
مقال

“جفاف حاد”.. إيكاد ترصد تراجع المياه في 7 مسطحات مائية سورية

5/6/2026

أفادت العديد من التقارير، في الأسابيع الأخيرة، بوجود تقلص حاد في مساحة المسطحات المائية في مختلف أنحاء سوريا، وذلك بالتزامن مع تصريحات للرئيس السوري أحمد الشرع، منذ أيام، قال فيها إن بلاده تعيش “أسوأ موجة جفاف منذ 60 عامًا”.

ولتتبع حجم الضرر الذي أصاب البلاد، رصد فريق “إيكاد” مستويات المياه في سبعة مسطحات مائية موزعة على الجغرافيا السورية، وذلك من خلال صور أقمار صناعية التقطت خلال الأعوام الخمسة الماضية، مع مراعاة أن تكون الصور المستخدمة في التحليل ملتقطة خلال ذات الشهر من كل عام، بهدف تقليل أثر الفروقات الموسمية واستبعاد التغيرات العابرة.

كما اعتمدنا على مؤشرات المياه الطيفية مثل “NDWI” لتتبع تغير حدود المسطحات المائية ومستويات المياه داخلها، ومقارنة التحولات التي شهدتها هذه المواقع خلال السنوات الخمس الماضية.

من الجبول إلى قطينة

بدأنا التتبع من بحيرة “الجبول” الملحية في محافظة حلب، حيث أظهرت المقارنات بين ديسمبر/ كانون الأول 2024 وديسمبر/ كانون الأول 2025 تقلصًا واضحًا في المسطح المائي، مع توسع مناطق اليابسة داخل أطراف البحيرة مقارنة بالسنوات السابقة.

مرفق 03 مقارنة صور أقمار صناعية بين 2024 و2025 لرصد تغير مستويات المياه داخل البحيرة

وفي بحيرة “قطينة” غرب مدينة حمص، رصدنا واحدة من أوضح حالات الانخفاض في مستويات المياه بين المواقع التي أخضعناها للتحليل. كما أظهرت المقارنات الزمنية الممتدة بين عامي 2020 و2025 أن التراجع لم يكن حدثًا معزولًا خلال العام الحالي، بل نمطًا تكرر بدرجات متفاوتة خلال السنوات الماضية، قبل أن يبدو أكثر حدة في 2025. 
وأظهرت الصور أيضًا اتساع المساحات اليابسة داخل البحيرة، مع انحسار واضح للمياه عند أطرافها مقارنة بالمشاهد الملتقطة قبل سنوات قليلة فقط.

وفي مدينة حماة، أظهرت صور منشورة خلال الفترة الأخيرة مجرى نهر العاصي في منطقة باب النهر وقد بدا جافًا بصورة لافتة، في مشهد يعكس حجم التراجع الذي تشهده الموارد المائية في مناطق مختلفة من البلاد.

مرفق 07 يظهر مجرى نهر العاصي في منطقة باب النهر بمدينة حماة جافا من المياه (الجزيرة)

الجفاف يصل إلى الساحل السوري

ورغم اشتهار الساحل السوري بوفرة نسبية في مياهه مقارنة بالمناطق الداخلية، إلا أن صور الأقمار الصناعية كشفت كذلك عن تراجع مسطحاته المائية.

ففي بحيرة “صافيتا” المرتبطة بسد الباسل جنوب محافظة طرطوس، كشفت المقارنات بين ديسمبر/ كانون الأول 2024 وديسمبر/ كانون الأول 2025 انخفاضًا كبيرًا في منسوب المياه، في حين أن المقارنة الممتدة منذ 2020 أظهرت أن عام 2025 سجل أعلى مستويات الجفاف خلال السنوات الخمس الماضية.

كما رصدنا تراجعًا واضحًا في بحيرة المزينة جنوب طرطوس، إلا أن المقارنات أظهرت أن المنطقة شهدت أيضًا موجات جفاف ملحوظة خلال عامي 2021 و2022، بمستويات اقتربت نسبيًا من الوضع الحالي، ما يشير إلى أن التراجع لم يبدأ هذا العام فقط.

وفي بحيرة “16 تشرين” شمال مدينة اللاذقية، لاحظنا عودة انخفاض مستويات المياه خلال عام 2025 بعد فترة تعاف نسبي أعقبت جفافًا سجلته المنطقة في 2021. وأظهرت المقارنات أن التراجع الحالي يقترب من المستويات التي ظهرت قبل أربع سنوات.

أما بحيرة سد الثورة شرق اللاذقية، فقد أظهرت الصور انخفاضًا ملحوظًا في المسطح المائي عند مقارنة صور نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 بصور ديسمبر/ كانون الأول 2025، فيما كشفت المقارنات الأوسع أن جفاف عام 2023 كان قريبًا في حدته من الوضع المسجل خلال العام الحالي.

بحيرة الأسد.. تفاوت في شدة التراجع

وعند تتبع صور بحيرة الأسد في محافظة الرقة شمالي البلاد، لاحظنا أن الانخفاض بدا أقل حدة مقارنة ببقية المسطحات المائية التي قمنا بتحليلها. لكن المقارنات الزمنية أظهرت أيضًا أن البحيرة شهدت تراجعات مشابهة قبل عام 2024، قبل أن ترتفع مستويات المياه نسبيًا، ثم تعود إلى الانخفاض مجددًا خلال 2025.

ورغم أن بحيرة الأسد لم تسجل الانكماش الحاد نفسه الذي ظهر في مواقع أخرى، فإن استمرار التراجع داخل واحدة من أكبر المسطحات المائية السورية يعكس اتساع الضغوط المائية على نطاق جغرافي واسع.

موجة جفاف تتسع

انعكست هذه الانخفاضات بشكل مباشر على الزراعة والإنتاج الغذائي داخل سوريا، حيث تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة “فاو” إلى تضرر شبه كامل لنحو 95 بالمئة من القمح البعل، مع توقع بتراجع إنتاج القمح المروي بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمئة.

وفي سبتمبر/ أيلول 2025، أفادت منظمة اليونيسف بأن معدلات الهطل المطري في سوريا انخفضت إلى أقل من 54 بالمئة من مستوياتها المعتادة، ما أثر على نحو 8.5 ملايين شخص، بينهم 1.8 مليون تضرروا بصورة حادة، وسط تهديد متزايد لمصادر مياه الشرب.

وبينما تظهر المسطحات المائية أصغر مقارنة بالسنوات الماضية في عدد من المواقع التي تتبعناها، تبدو الأزمة أبعد من مجرد تراجع موسمي عابر، وأقرب إلى ضغط مائي متصاعد يطال الموارد المائية والزراعة والأمن الغذائي في وقت واحد، في ظل موجة جفاف تتسع آثارها على مستوى المنطقة بأكملها.

ففي سياق متصل، نشر فريق “إيكاد” صور أقمار صناعية أظهرت تراجعًا حادًا في المسطحات المائية داخل إيران، خصوصًا في محيط العاصمة طهران، ما يشير إلى أن المنطقة تواجه ضغوطًا مائية ومناخية متزايدة خلال السنوات الأخيرة.