جنود أمريكيون تحت عدسة "إيكاد".. كيف تكشف منشوراتهم أسرار حاملات الطائرات؟
صورة على "إنستغرام" قد تُحيل صاحبها خلال أيام أو ساعات معدودة إلى قتيل أو جريح.. هذا ما حدث مرات عديدة خلال الحرب الروسية على أوكرانيا، لكن يبدو أن جنود الجيش الأمريكي يقعون في ذات الفخ. فخلال عملية رصد اعتيادية للمحتوى المنشور على منصات التواصل الاجتماعي، لفت انتباه فريق "إيكاد" عدد من مقاطع الفيديو المصورة على متن حاملات طائرات أمريكية.
وبمراجعة الحسابات التي نشرت المقاطع وتحليلها بصريًّا، تبين أن ناشريها ينتمون للبحرية الأمريكية، وأن الفيديوهات صُورت داخل بيئة عملياتية فعلية. حيث أظهرت بعض المشاهد طائرات مقاتلة وحركات إقلاع وهبوط، دون أي إخفاء للتفاصيل المحيطة.
وهو ما دفع فريق "إيكاد" إلى التساؤل عن شخصية القائمين على هذه الحسابات، وعن طبيعة نشاطاتهم وأعمالهم، وكذلك عن طبيعة المحتوى المنشور من خلالها، وعن إمكانية تحولها -رغم طابعها الشخصي العفوي- إلى مصدر معلومات مفتوح قد يُستخدم لأغراض عسكرية وأمنية.
ضابط في البحرية الأمريكية
كانت بداية التحقيق من مقطع فيديو نُشر بتاريخ 28 يناير/ كانون الثاني 2026، على حساب انستغرام يحمل اسم "Markbreadfit". وبالتحقق من هوية الحساب، تبين أنه يعود إلى مارك بريديك، وهو ضابط برتبة ملازم أول في البحرية الأمريكية. ومن خلال المعلومات المتاحة عبر حساباته العلنية على منصات التواصل، وملفه المهني على "لينكد إن"، وجدنا أنه تخرج من الأكاديمية البحرية التجارية الأمريكية "USMMA"، ويحمل درجة البكالوريوس في اللوجستيات البحرية والأمن.
يوضح سجله المهني أنه خدم سابقًا على متن مدمرات وسفن دعم بحرية، وشارك في برامج تدريب واختبارات طيران بحرية، قبل أن يبدأ خدمته الفعلية كضابط في يونيو/ حزيران 2024. وكما يظهر من محتواه على "إنستغرام"، يركز بريديك على نمط حياة يجمع بين اللياقة البدنية والخدمة العسكرية، حيث يقدم نفسه كصاحب محتوى "lifestyle".
وبعد تحققنا من تطابق الاسم والصور والمعلومات المهنية بين المنصات المختلفة، فضلًا عن رصدنا لظهوره في منشورات رسمية لحسابات مرتبطة بالأكاديمية التي تخرج منها، تعززت لدينا مصداقية الحساب وملكيته لصاحبه.
معلومات حساسة
وبعد التحقق من هوية ناشر المقطع، انتقل فريقنا إلى تحليل المحتوى البصري المنشور. أظهرت الصور والمقاطع التي نشرها بريديك الرقم 77 على برج القيادة "Island"، وهو رقم الهيكل الخاص بحاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس جورج بوش (سي في إن 77) - USS George H.W. Bush (CVN-77)".
وبعد تحليل مقطع فيديو آخر منشور على ذات الحساب في ديسمبر/ كانون الأول 2025، ظهرت في الخلفية سفينة إمداد تحمل اسم "USNS Leroy Grumman"، أثناء تنفيذ عملية تموين في عرض البحر (Underway Replenishment). وبمراجعة الصورة المرجعية لسفينة الإمداد "USNS Leroy Grumman"، وجدنا تطابقًا بينها وبين السفينة التي ظهرت في الفيديو.
وجود سفينة دعم لوجستي بهذا الشكل لا يحدث عادة أثناء وجود الحاملة قرب الميناء، بل يرتبط بمرحلة الإبحار المفتوح والاستعداد للانتشار لفترة طويلة. ويتوقع مختصونا أن تُنشر حاملة الطائرات في شرق البحر الأبيض المتوسط بعد إنهائها تدريبات "COMPTUEX"، لتنضم إلى حاملات الطائرات والقوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة، بالتزامن مع التصعيد العسكري مع إيران.
ويعزز هذه الفرضية ما نشره موقع "The Week" في 12 فبراير/ شباط 2026، والذي نقل عن مسؤولين أمريكيين أن أمر انتشار الحاملة قد يصدر "خلال ساعات"، رغم أنها كانت آنذاك قبالة ساحل فرجينيا تكمل تدريبات "COMPTUEX". مشيرًا إلى أن البنتاغون كان يجهز حاملة من الساحل الشرقي تحسبًا لاحتمال نشرها خلال أسبوعين، في إطار تعزيز عسكري أوسع في الشرق الأوسط.
أنواع الطائرات على الحاملة
كذلك من الممكن استخلاص معلومات أخرى قد تعد حساسة من المقاطع المنشورة. حيث ظهرت، في اللقطات، طائرات من طراز "F/A-18E Super Hornet" وأخرى من طراز "E-2D Advanced Hawkeye"، مع وجود أرقام واضحة على ذيل الطائرات ومقدمتها. هذه الأرقام ليست عشوائية، فهي ترتبط عادة بسربين محددين داخل الجناح الجوي للحاملة، ومن خلالها يمكن تتبع هوية الوحدة الجوية العاملة على متنها.
الأرقام التي ظهرت في الفيديو على الطائرات هي: (201، 400، 405، 600، 603). وعند مطابقة هذه الأرقام، تبين أن طائرات الـ "Super Hornet" التي تحمل أرقام 201 و400 و405 تعود إلى سربي الهجوم "Rampagers - VFA 83" و"Gunslingers - VFA 105". في حين أن طائرات "Hawkeye" ذات الأرقام 600 و603 تعود إلى سرب الإنذار المبكر المحمول جوًّا "Bluetails - VAW 121".
قد تبدو هذه المعلومات ثانوية للمتابع العادي، لكنها تحمل دلالات عملياتية مهمة، من بينها:
-
تحديد التشكيل الجوي المرافق للحاملة.
-
معرفة طبيعة القدرات المتاحة (مقاتلات هجومية من VFA‑83/VFA‑105، إلى جانب قدرات الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة من VAW‑121).
-
تقدير مستوى الجاهزية الجوية، وربط المقاطع بفترة انتشار معينة إذا نُقلت هذه الأسراب لاحقًا إلى جناح آخر أو حاملة طائرات أخرى
ليس الحالة الوحيدة
كل هذه النتائج والخلاصات تُستخلص من مقطع فيديو واحد نشره الضابط في البحرية الأمريكية، مارك بريديك. لكن يبدو أنه ليس الحالة الوحيدة. فخلال تتبع فريقنا لمقاطع مشابهة، وجدنا مقطعًا آخر، نُشر بتاريخ 21 فبراير/ شباط 2026، عبر حساب "إنستغرام" يحمل اسم "lorencoontz". وبالبحث، تبين أن الحساب يعود للضابطة في البحرية الأمريكية، لورين كونتز، وهي تعمل مساعدة طبيب.
وباستعراض محتوى الحساب، ظهر أن كونتز تنشر بشكل منتظم مقاطع ذات طابع ترفيهي وتحفيزي من بيئة عملها العسكرية. حيث تتضمن منشوراتها لقطات من سطح حاملة الطائرات، ومشاهد لسباقات ركض على سطح الحاملة، إضافة إلى مقاطع من حياتها اليومية داخل المعسكرات أو أثناء أداء مهامها الطبية.
عند تحليل المقاطع المنشورة على حساب لورين كونتز، وجدنا أن الحاملة التي تصور من عليها ليست هي ذات الحاملة السابقة "جورج بوش"، لكنها الحاملة "USS Carl Vinson - CVN 70"، ثالث سفن فئة "Nimitz". الدليل القاطع على ذلك كان ظهور الرقم "70" بوضوح على برج القيادة "Island" في أكثر من لقطة، وهو رقم الهيكل الخاص بحاملة الطائرات الأمريكية "كارل فينسن".
ظهور الرقم وحده كان كافيًا لتحديد الهوية، لكن عناصر أخرى دعمت التحليل. حيث ظهرت مقاتلات "F/A-18" بأرقام من سلسلة "200"، وهي أرقام ترتبط عادة بأسراب ضمن "Carrier Air Wing 2 - CVW 2"، الجناح الجوي المخصص لـ "كارل فينسن". كما أن وجود طائرات "E-2 Hawkeye" يدعم هذا التحليل، إذ إن هذا التشكيل يتسق مع الجناح الجوي للحاملة.
وعلى عكس الحاملة "USS George H.W. Bush" التي يكتنف موقعها غموض عملياتي، يبدو وضع "USS Carl Vinson" أوضح نسبيًا. حيث عادت الحاملة إلى مينائها الأصلي في سان دييغو يوم 14 أغسطس/ آب 2025، بعد انتشار استمر 9 أشهر شمل عمليات قتالية ضد الحوثيين في البحر الأحمر وبحر العرب ضمن عملية "Rough Rider".
ومنذ ذلك الحين، تخضع الحاملة لفترة صيانة في محطة "NAS North Island". إذ تؤكد صور ملتقطة بتاريخ 17 و19 فبراير/ شباط 2026 أن الطاقم يجري أعمال طلاء وصيانة للبنية التحتية، مع وصف صريح بأن "السفينة تخضع للصيانة في مينائها الأصلي بسان دييغو، مع بقاء جاهزيتها القتالية".
ما الدافع وراء نشر الفيديوهات؟
قد يطرح البعض تساؤلًا حول الدافع وراء نشر مثل هذه الفيديوهات والصور رغم حساسيتها. وحسب محللي "إيكاد"، قد يكون الدافع وراء النشر إبراز صورة إيجابية للحياة العسكرية، فالمحتوى الذي يظهر اللياقة والانضباط، مع العمل في بيئة فريدة مثل حاملة الطائرات، يعكس جانبًا جذابًا من الخدمة العسكرية بشكل عام، والخدمة البحرية بشكل خاص.
لكن الثغرة تكمن في أن هذه الدعاية المحتملة تحمل مفارقة واضحة، فبينما تهدف إلى تعزيز الصورة العامة وجذب الاهتمام للحياة العسكرية، قد تتضمن -دون قصد- تفاصيل يمكن للخصوم جمعها وتحليلها لاستخلاص بيانات عملياتية، وهو ما قد يمثل ثغرة أمنية. فمن خلال بضع ثوان، من الممكن تحديد رقم الهيكل على برج القيادة، والتعرف على الطائرات والأسراب العاملة، واستنتاج مرحلة الانتشار من وجود سفن إمداد في الخلفية، وحتى تتبّع أنماط النشاط اليومي على السطح.
فمقطع واحد أو صورة واحدة من سطح حاملة طائرات، إذا وُضعت في سياق صحيح، قد توفر لخصم -كإيران أو حلفائها الذين تشن عليهم الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا منذ نهاية فبراير/ شباط 2026- خريطة شبه مكتملة عن موقع السفينة وقدراتها وإيقاع عملها اليومي.
هذا الأمر ليس جديدًا، فقد حدث سابقًا عدة مرات. إذ استخدمت شركات ومجموعات استخبارات مفتوحة منشورات مشابهة لجنود روس لتحديد مواقع معسكرات ومخازن ذخيرة، ثم نُفّذت ضربات مدفعية وجوية على تلك الأهداف خلال أيام قليلة من نشر الصور، وهو ما وثقه تقرير لمجلة "Foreign Policy" الأمريكية عن نشاط شركة الاستخبارات الأوكرانية "Molfar".