ستالينسكي وفريدمان.. حين يصبح المسلم “خطرًا” في الصحافة الأمريكية
“مرحبًا بكم في ديربورن، عاصمة الجهاد في أمريكا”.. كان هذا عنوان مقال نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال“، مطلع فبراير/ شباط 2024، للكاتب الأمريكي “ستيفن ستالينسكي”، مستهدفًا فيه واحدة من أكبر المدن التي تضم جالية عربية في الولايات المتحدة. وبعدها بأيام، تبعه الصحفي الأمريكي، توماس فريدمان، بمقال في “نيويورك تايمز” استخدم فيه استعارات بيولوجية تُشَبّه الشرق الأوسط بـ “مملكة الحيوانات”.
ومن الممكن القول إن أطروحات الكاتبين -المعروفين بدعمهما المطلق للاحتلال- تجاوزت حدود التحليل السياسي للعدوان على غزة؛ لتتحول إلى حملة وصم وتحريض ممنهجة تستهدف الوجود العربي والإسلامي عمومًا، وتُعيد إنتاج سرديات التحريض في قلب الإعلام الغربي.
دفع تصاعد الجدل حول المقالين الرئيس الأمريكي، جو بايدن، إلى التدخل علنًا؛ إذ كتب عبر منصة “إكس” رافضاً إلقاء اللوم على مجتمعات كاملة استنادًا إلى خطاب قلة قليلة.
وحذر بايدن من أن هذا النمط التحريري يؤدي مباشرة إلى تغذية “الإسلاموفوبيا” وتأجيج كراهية العرب، مؤكدًا على أن ذلك لا ينبغي أن يحدث لسكان مدينة “ديربورن” وكافة المدن الأمريكية، ومشددًا على ضرورة الإدانة المستمرة للكراهية بجميع أشكالها.
ديربورن.. كيف حولها ستالينسكي إلى قضية أمن قومي؟
صوّر ستالينسكي مدينة “ديربورن” في ولاية ميشيغان -التي تحتضن تكتلًا عربيًا وإسلاميًا كبيرًا في أمريكا- كنموذج لما أسماه “الخطر الإسلامي الداخلي”. وفي تحريض مباشر، دعا الكاتب إلى تحويل هذا الملف إلى قضية أمن قومي تستوجب رقابة وكالات مكافحة الإرهاب الأمريكية. كما أنه ربط تعسفيًا بين التظاهرات المؤيدة لقطاع غزة، ودعم حماس وإيران وحزب الله.
واستند ستالينسكي لبناء سرديته التحريضية إلى مواقف شخصيات دينية معزولة، مقدمًا إياها كرموز رائدة للمجتمع العربي الأمريكي؛ كأحمد موسى جبريل الذي وصفه بـ “أحد أكثر الشيوخ الجهاديين تأثيرًا باللغة الإنجليزية”.
ودحضت مراجعات صحفية لاحقة -بينها تحقيق نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني- هذه الادعاءات؛ إذ كشفت عن فقدان تلك الشخصيات مصداقيتها داخل المدينة منذ سنوات، لافتة إلى تبرؤ قيادات دينية بارزة علنًا منها، كإمام دار الحكمة، محمد علي إلهي.
وعزز الموقع تفكيك هذه الادعاءات بنقل شهادة الناشطة الأمريكية المسلمة، سهيلة أمين، التي أكدت فيها مجددًا تجريد المجتمع المحلي لتلك الأسماء من أي شرعية دينية أو تمثيلية.
وفي مقالات أخرى نشرها “ستالينسكي” عبر معهد أبحاث “وسائل الإعلام في الشرق الأوسط” المعروف باسم “MEMRI”، اعتبر أن شعار “من النهر إلى البحر” الذي يردده المتظاهرون المؤيدون لفلسطين يمثل دعوة إلى “قتل اليهود وتدمير إسرائيل”، مشيرًا إلى أن هذا الشعار “يستخدم من قبل معادي السامية من جميع الأطياف”. وقد نقلت هذه المقاربة الشعار من سياقه السياسي المرتبط بالقضية الفلسطينية والاحتلال وجرائمه، إلى توصيف أمني وأيديولوجي يربطه مباشرة بخطاب الكراهية والعنف.
تجدر الإشارة إلى أن ستالينسكي يعمل مديرًا تنفيذيًا لمعهد “MEMRI” منذ عام 1999، وهو أحد المراكز المرتبطة باللوبيات الداعمة لإسرائيل إلى حد كبير.
بشكل عام، يركز المعهد على ترجمة ما تقدمه وسائل الإعلام في الشرق الأوسط وتحليله، مع إيلائه اهتمامًا خاصًّا بما يسميه “الجهاد السيبراني”. ولذا، ركز المعهد، خلال السنوات الماضية، على تتبع استخدام فصائل المقاومة الفلسطينية لمنصات مثل “Telegram” و”VK”، وتقنيات التشفير، والعملات المشفرة، ونشر تقارير حول ما أسماه “التطرف الإلكتروني” و”الهجمات السيبرانية” وطرق التواصل الرقمي بين حركات المقاومة.
وبالإضافة إلى ستالينسكي، يعمل ييجال كارمون، المؤسس المشارك للمعهد، الذي خدم لأكثر من عقدين في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، كما أنه كان مستشارًا لرئيسي الوزراء الإسرائيليين، إسحاق شامير وإسحاق رابين، في ملفات مكافحة الإرهاب.
وإلى جانبهما، يضم المعهد موظفين آخرين خدموا في جيش الاحتلال وشعب الاستخبارات الإسرائيلية. وبسبب هذه الخلفيات، وصف فنسنت كانيسترارو، الرئيس السابق لوحدة مكافحة التجسس في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، معهد “MEMRI” بأنه “انتقائي” ويعمل كمروج لوجهة نظر اليمين المتطرف داخل حزب الليكود، معتبرًا أنه “لا يقدم الصورة كاملة”.
وفي إطار اهتمامه بالأمن السيبراني، ركز ستالينسكي، في كتبه وأبحاثه، على على العلاقة بين الجماعات الإسلامية -التي يصفها بـ “الإرهاب الإسلامي”- والتكنولوجيا والإنترنت، داعيًا إلى تعزيز بنية أمنية رقمية تعمل على مراقبة المنصات الرقمية للمسلمين، وتتبع الحسابات والنشاطات الإلكترونية لهم، والربط بين خطابهم السياسي ومفاهيم التطرف الأمني، وتوسيع مفهوم التهديد الداخلي من المسلمين على الولايات المتحدة.
ومن ضمن الشخصيات التي ارتبط بها ستالينسكي، يبرز اسم الكاتب الأمريكي روبرت سبنسر، وهو شخص معروف بتوجهاته اليمينية الداعمة لإسرائيل والمناهضة للمسلمين، كما أنه مؤسس منصة “Jihad Watch” المعروفة بخطابها المعادي للإسلام.
وقد كتب سبنسر أحد أبرز الكتب المثيرة للجدل في العقدين الماضيين حول الإسلام، ففي كتابه: “الدليل غير الخاضع لـ (الصوابية السياسية) عن الإسلام والحروب الصليبية”، برر الحروب الصليبية على العالم الإسلامي، واعتبرها رد فعل على يصفه بـ “العدوان الإسلامي”. وقد راجع ستالينسكي هذا الكتاب وروج له، بالرغم من توجهه الإقصائي والصدامي.
وفي دلالة على خطورة خطابه، حظرت السلطات البريطانية عام 2013 دخول سبنسر إلى البلاد، بعدما أعلنت وزارة الداخلية البريطانية أنه ينشر خطابًا متطرفًا يعزز الكراهية ويؤدي إلى أعمال عنف.
وبحسب مركز “Southern Poverty Law” المعني بقضايا الحقوق المدنية، يعد سبنسر من أبرز الشخصيات المعادية للمسلمين في الولايات المتحدة.
فريدمان يشبه الشرق الأوسط بـ “مملكة الحيوانات”
على الجانب الآخر من المشهد، ظهر “توماس فريدمان”، الصحفي اليهودي الذي نشأ في بيئة متدينة بمدينة مانيسوتا الأمريكية، باعتباره أحد أبرز الأصوات الليبرالية الأمريكية في قضايا الشرق الأوسط، لكن مقاله عن “مملكة الحيوانات” قدم صورة مختلفة عن الخطاب الذي تتبناه الصحافة الليبرالية خلال العدوان الإسرائيلي على غزة.
استند فريدمان في تفكيك مشهد الشرق الأوسط إلى نموذج بيولوجي؛ مشبهًا إيران بـ “الدبور الطفيلي” الذي يضع بيضه داخل حشرات أخرى، وبعد الفقس، تلتهم اليرقات الوليدة الجسد الذي وُضعت فيه من الداخل.
وعبر هذا النموذج، شبّه الكاتب حركات -مثل حماس وحزب الله والحوثيين- في بـ “البيض” الذي يضعه “الدبور” -أي إيران، بينما تحولت دول المنطقة (لبنان واليمن وسوريا والعراق) إلى الحشرة الضحية المستهدفة بالالتهام.
وعقب ذلك، دعا فريدمان إلى ضرورة قتل “الدبور” دون “إشعال النار في الغابة بأكملها”؛ وهي صياغة واجهت انتقادات حادة لتوظيفها استعارات حشرية تنزع الإنسانية (Dehumanization) عن مجتمعات محلية وقوى سياسية كاملة في المنطقة لتبرير استهدافها عسكريًا.
كما أصَّل فريدمان لعلاقته الوثيقة بالاحتلال الإسرائيلي في مقدمة كتابه “من بيروت إلى القدس”؛ إذ أوضح أن زيارته الأولى عام 1968 غيرت مسار حياته بالكامل، مستذكرًا شعوره الفوري بالانتماء داخل القدس القديمة. ويُدرج هذا المؤلف حاليًا ضمن محتويات “المكتبة الافتراضية اليهودية“.
توزعت دراسة فريدمان الجامعية بين الجامعة العبرية في القدس المحتلة والجامعة الأمريكية بالقاهرة، قبل أن يتولى رئاسة مكتب صحيفة “نيويورك تايمز” في بيروت ثم القدس. وينشط الكاتب كذلك في تقديم المساهمات التحريرية لموقع “الكنيس اليهوي المركزي” في نيويورك.
وخلال العدوان على غزة، تبنى فريدمان السردية الإسرائيلية؛ واصفًا هجوم السابع من أكتوبر بـ “الهمجي”، ومتهمًا حركة حماس بارتكاب انتهاكات واسعة كالقتل والاغتصاب، وهي الدعاوى التي أثبتت تحقيقات حقوقية وصحفية دولية لاحقًا عدم دقتها.
وبرر الكاتب الهجمات الإسرائيلية بوصفها “حربًا مستحيلة أخلاقيًا” (Morally Impossible War) -وهو تعبير سياسي وفلسفي معقد يُستخدم عادةً في سياقات التبرير الحربي والدفاع عن العمليات العسكرية المثيرة للجدل، معتبرًا أن تل أبيب مضطرة لخوضها برغم ما تسببه من كلفة إنسانية باهظة في صفوف المدنيين الفلسطينيين.
كما وظف فريدمان -في مسار تحليله- مصطلح “قواعد حماة” المستوحى من المجزرة التي ارتكبها النظام السوري عام 1982 وأباد فيها آلاف المواطنين؛ مروجًا لإمكانية تطبيق الاحتلال المنطق الإبادي ذاته لتدمير قطاع غزة وتصفية الوجود العسكري للحركة.
لكن يبدو أن الأمر ليس جديدًا بالنسبة لفريدمان في تأييد الحروب على المنطقة، إذ إنه تحول خلال الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان إلى أحد أبرز المدافعين عن استراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش الابن، داخل الأوساط الصحفية الأمريكية.
وصنفه موقع “The Daily Beast” ضمن أكثر الأصوات حماسًا للحربين؛ حيث ارتبط اسمه بفكرة “الشهور الستة الإضافية” التي كان يطالب بها دوريًا لتحقيق نتائج عسكرية أفضل، وهي العبارة التي تحولت لاحقًا إلى مادة للسخرية السياسية في الولايات المتحدة.
وانتقد الموقع ذاته استعارات الكاتب الأخيرة حول الشرق الأوسط، معتبرًا إياها محاولة لتأطير المسلمين في قالب “الحشرات والطفيليات”، مما يمهد لتطبيع خطاب العنف وتمرير السياسات العسكرية العدوانية في الخارجية الأمريكية.
بدوره، أصَّل المفكر الفلسطيني الأمريكي، إدوارد سعيد، باكرًا لنقد أطروحات فريدمان؛ إذ صنفه عام 1989 كامتداد لـ “الاستشراق الكلاسيكي المناهض للعرب والمعادي للإسلام”. ورأى سعيد أن كتابات فريدمان تعمد إلى اختزال المجتمعات العربية في صور نمطية بدائية وقبلية، وتُعيد إنتاج الصراعات السياسية في قوالب وكليشيهات ثقافية ذات جذور استعمارية قديمة.
وفي السياق ذاته، انتقد الباحث الأمريكي، جون إسبوسيتو، التغطيات الصحفية لفريدمان، والتي ادعى فيها غياب الإدانات الرسمية من المؤسسات الإسلامية لأسامة بن لادن؛ حيث فكك إسبوسيتو هذه الادعاءات بمقابلتها مع المواقف العلنية الصادرة عن مشيخة الأزهر والمجمعات الفقهية حول العالم التي أدانت الهجمات بشكل واسع.
إعادة إنتاج صورة المسلمين
ومع اتساع الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين داخل الجامعات الأمريكية والأوروبية، تصاعدت حملات ممنهجة تعمدت ربط التضامن مع قطاع غزة بـ “معاداة السامية” أو “التطرف الإسلامي”.
ووظفت هذه الحملات أطروحات كُتاب مثل “ستالينسكي” و”فريدمان”، بموازاة استغلال البرامج البحثية ومنصات الرصد الرقمي؛ لإعادة إنتاج صورة المسلمين والعرب في الغرب، وتأطير وجودهم كملف أمني وثقافي يمثل أزمة.
وتمثّل التحول الجوهري في نقل هذا الخطاب التشويهي من الهامش الأيديولوجي إلى قلب المؤسسات الإعلامية والأمنية والتقنية الكبرى؛ مما ساهم في إعادة هندسة الوعي الجمعي، وتوجيه صناعة السياسات وصياغة الرأي العام داخل الولايات المتحدة.