شبكة حسابات تروج لإسرائيل بهوية عربية وإسلامية.. ما القصة؟
فتاة عربية تعلن دعمها لإسرائيل ومناهضتها لفلسطين، تُكَذّب النكبة الفلسطينية وتعتبرها "مزاعم سخيفة"، وفي ذات الوقت ترى أن لإسرائيل حقًا تاريخيًا في فلسطين. كانت تلك السردية الغريبة على الأوساط العربية لافتة لفريق "إيكاد"، لا سيما وأنها تحظى بتفاعل كبيرنسبيًّا.
تتبّع الفريق هذا الحساب، وحلّل محتواه، ورصد التفاعلات النشطة معه، الأمر الذي قادنا في النهاية إلى تفكيك شبكة رقمية تضم عشرات الحسابات التي تدعي انتماءها لعدد من الدول العربية والإسلامية، لكنّ خطابها جميعًا داعم للأجندة الإسرائيلية.
فكيف توصّلنا إلى الشبكة؟
بعد رصد بعض الشخصيات الافتراضية المتبنّية لتلك السردية، وجدنا عددًا من المنشورات تروّج لعدد من الحسابات الأخرى التي يرجح انخراطها في نشاط الشبكة.
وبعد الوصول إلى عشرات الحسابات، حدد الفريق عيّنة منها لإخضاعها للتحليل التقني. وكانت الملاحظة الأولى أن غالبية حسابات العينة -البالغ عددها 20 حسابًا- أُنشئ خلال فترة زمنية متقاربة؛ وتحديدًا بين نوفمبر/ تشرين الثاني وديسمبر/ كانون الأول 2024، تلتها موجة ثانية في شهري يناير/ كانون الثاني ويوليو/ تموز 2025. كما اكتشفنا أن كثيرًا منها يستخدم صورًا مضللة؛ بعضها مولد بالذكاء الاصطناعي، وأخرى منتحَلة من حسابات حقيقية.
ومن خلال بيانات منصة "إكس"، تبين أن هذه الحسابات -التي تزعم انتماءها إلى 12 دولة عربية وإسلامية- تنشط جميعًا من داخل الولايات المتحدة الأمريكية. وكان من اللافت كذلك أنها جميعًا تستخدم المنصة عبر نسخة "Web" حصرًا، وهو نمط يختلف عن سلوك المستخدمين الحقيقيين الذين يعتمدون غالبًا على الهواتف المحمولة في نشاطهم اليومي على وسائل التواصل الاجتماعي.
كما لاحظ الفريق نمطًا متكررًا تتفاعل به هذه الحسابات؛ إذ كانت جميعها -في بداية نشأتها تحديدًا- تتفاعل مع موضوعات ذات طابع اجتماعي، مثل التهنئة بالأعياد، بهدف إضفاء طابع إنساني يوحي بأنها حقيقية، فضلًا عن إمكانية الانخراط وسط حسابات الجمهور المستهدف. وكانت تلك الفترة -الممتدة من نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 حتى مارس/ آذار 2025- بمثابة تهيئة وتمهيد وبناء للحسابات.
وبالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية المتعلقة بالحرب الإسرائيلية ضد غزة ولبنان وإيران منتصف 2025، برز النشاط السياسي لهذه الحسابات. إذ سجلت الشبكة ذروة نشاطها الأولى خلال شهري مايو/ آيار ويونيو/ حزيران 2025، حيث نشرت أكثر من 110 منشورات، بوصول محتملة تجاوز 110 آلاف. تراجع النشاط في الشهرين التاليين، ثم حققت ذروة ثانية في سبتمبر/ أيلول، عبر نشر نحو 100 منشور بوصول يناهز 85 ألف مشاهدة محتملة.
تقلص النشاط مرة أخرى، لكنه عاد للصعود في مارس/ آذار 2026، تزامنًا مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وامتداد آثارها نحو عدد من دول الشرق الأوسط. وهو ما يوضح أن جل نشاط الشبكة يتزامن مع الأحداث السياسية الكبرى المتعلقة بإسرائيل.
ما السرديات التي تتبنّاها الشبكة؟
لاحظ الفريق كذلك أن الحسابات تعيد نشر المحتوى ذاته تقريبًا، وتتكرر التعليقات بصياغات متشابهة. وهنا يُطرح التساؤل حول مضامين هذا المحتوى والرسائل التي تريد الشبكة ترويجها. وبعد تحليل الموضوعات التي تطرحها الحسابات بالأدوات المتخصصة، تكشّف أن الخطاب السياسي هو جوهر نشاطها؛ حيث تتصدر موضوعات مثل: الإسلام والصهيونية، والرأي العام حول حماس، والأوضاع السياسية في الشرق الأوسط، والنقاش حول حلول السلام في الشرق الأوسط، والإخوان المسلمين.
كما تكشف خريطة الكلمات المفتاحية التي تستخدمها الشبكة في منشوراتها أن كلمة "إسرائيل" تهيمن على منشوراتها، ما يشير إلى أن خطاب الشبكة بكاملها يدور حول دولة الاحتلال. وإلى جانبها، تبرز مفردات "Support" و"Jewish people"، ما يعكس تبني الحسابات خطابًا داعمًا لإسرائيل بصورة مباشرة. كما تظهر كلمات "Hamas" و"Muslim Brotherhood" بأحجام لافتة، ما يعني حيازتها على نصيب معتبر من خطاب الشبكة.
وتكشف الخريطة في أطرافها تقاطع الشبكة مع حسابات إسرائيلية بارزة، بينها (@LionsOfZion_ORG و@IsraelArabic و@VividProwess)، وهي حسابات تفاعلت مع الشبكة وروجت للمحتوى ذاته.
وبعد تحديد أبرز الموضوعات والكلمات التي تُستخدم في منشورات الشبكة، عمد الفريق إلى رصد أبرز السرديات التي يُروَّج لها من قبل هذه الحسابات. من بين أبرز تلك السرديات تحميل حركة حماس مسؤولية ما يجري في غزة، وتقديم إسرائيل بوصفها طرفًا مدافعًا عن نفسه ضد "الإرهابيين"، لا معتديًا. وهي ذاتها السردية الإسرائيلية.
كما قدمت الولايات المتحدة باعتبارها شريكًا لا بديل عنه للعرب والمسلمين، ووصفتها بعض المنشورات بأنها "شريك رائع" لدول مثل السعودية وقطر، معتبرة أن السياسة الأمريكية في المنطقة مصدر استقرار.
كذلك وظفت الشبكة الدين والتاريخ لتبرير وجود الاحتلال الإسرائيلي، عبر منشورات تستشهد بالنبي موسى لإثبات "الحق اليهودي" في الأرض، وتصف الضفة الغربية بأنها "أرض أجداد إسرائيل"، وتقدم المستوطنين كمزارعين وعلماء آثار لا كمحتلين، وصولًا إلى إنكار الوجود الفلسطيني من الأساس.
وكان الداخل التركي هدفًا للشبكة، إذ ادعت الحسابات أن الأتراك يكرهون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ويريدون التخلص منه، إلى جانب منشورات تزعم وجود علاقة سرية وثيقة بينه وبين بنيامين نتنياهو رغم خلافاتهما المعلنة، في محاولة لتشويه صورته لدى الجمهور العربي والمسلم.
كتابة مولدة بالذكاء الاصطناعي
ومن خلال تحليل النصوص، لاحظ الفريق سمات لغوية تشير إلى توليد آلي لا كتابة بشرية، إذ بدت الجمل مصوغة بدقة كبيرة مع غياب شبه كامل للأخطاء الإملائية والنحوية الطبيعية. وفي أحد النماذج، أظهر فحص النص عبر أداة "GPTZero" أن 100% منه مكتوب عبر الذكاء الاصطناعي.
التفاعل مع حسابات مطبعة وإسرائيلي
ومع ذلك لا ينتشر محتوى هذه الحسابات ضمن فراغ وهمي مطلق؛ إذ تكشف شبكة تفاعلاتها ارتباطها بمحاور تأثير حقيقية، منها أمجد طه بوصفه نموذجًا عربيًا مسلمًا يدعم إسرائيل علنًا ويحظى بحضور رقمي واسع، وهي ذات السمات الشخصية التي تتبناها الحسابات التي رصدها الفريق.
كما تتمدد روابط الحسابات عبر تفاعل مباشر ومكثف مع حساب "Vivid"، أحد أبرز محاور اللجان الرقمية الإسرائيلية، إلى جانب حضور واضح لـ "إيدي كوهين"، وهو من أبرز الأذرع الإعلامية الإسرائيلية الموجهة إلى الجمهور العربي.
انتحال الصوت المسلم لخدمة إسرائيل
في هذا التحقيق، وثّق فريق "إيكاد" شبكة من الحسابات التي تدعي انتماءها للأمتين العربية والإسلامية، لكن خطابها في ذات الوقت يدور حول الاحتلال الإسرائيلي ودعم سياساته؛ فهي تهاجم المقاومة الفلسطينية وتحملها مسؤولية معاناة أهالي قطاع غزة، وتبرر الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتروج للتطبيع مع إسرائيل.
ويكمن الاختلاف الحقيقي للشبكة في استراتيجيتها القائمة على اختراق المجتمع العربي والإسلامي، فالحملات الإسرائيلية التقليدية كانت تصل إلى الجمهور العربي بواجهة واضحة يسهل التعرف عليها، أما هذه الشبكة فاختارت طريقًا مغايرًا، يتمثل في انتحال صوت المسلم والعربي نفسه، والتحدث بلغته ومفرداته.