عبر حسابات جنود الاحتلال.. "إيكاد" ترصد كيف هُجّر الغزيون من جباليا
بينما كان فريق "إيكاد" يقلّب حسابات جنود الاحتلال على "إنستغرام" بحثًا عن أثرٍ لما يجري في جباليا شمال غزة، توقّف عند مقطع نشره جندي يدعى "آريل ميارا" (Ariel Miara)؛ فمن خلف سياج معدني يمرّ نساء وأطفال نازحون نحو الجنوب، من حولهم دبابات الاحتلال ومدرعاته، وفي خلفية المقطع أغنية عربية، وتعليق بالعبرية يتمنّى لهم "أسبوعًا سعيدًا" استهزاءً بهم.
كان ذلك المشهد يوم 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2024؛ اليوم الذي بثّت فيه قناة "كان" الإسرائيلية لقطاتٍ التقطتها طائرة مسيّرة لمئات العائلات وهي تُهجَّر قسرًا من بيوتها في جباليا، وسط حملة قصف وحصار وإبادة جماعية تُطْبق على شمال القطاع.
ومن هذا المقطع بدأ الفريق يتتبع الخيط، ساعيًا لتحديد موقع النزوح الظاهر في الفيديو. لكنّ مسار التحقيق تجاوز مشهد النزوح، ليقودنا إلى مشاهد أخرى، وثقت انتهاكات متعددة بحق أهالي غزة عمومًا، وجباليا خصوصًا.
تحديد الموقع الجغرافي لمشهد النزوح
لتحديد موقع النزوح، قارن الفريق المعالم الظاهرة في المقطع بلقطة قمر صناعي نشرها الصحفي "جيك غودين" في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2024. أظهرت المقارنة تطابق ثلاثة معالم واضحة؛ ساحة ترابية، ومبنى أبيض كبير لم يهدم كليا يظهر على يمين المصوّر، ومبنى بعيد على يساره. وتبيّن أن نقطة التصوير تقع في محيط طرق جديدة شقّها الاحتلال، وبالقرب من مدارس استخدمت كمراكز إيواء للنازحين في شارع صلاح الدين، وتحديدًا عند الإحداثيات: "31.527925, 34.512739".
مبان مدمرة وأراض محرقة
بعد تحديد الموقع، عاد الفريق إلى منشورات "ميارا" -الذي نشر مقطع النزوح- الأقدم. وهناك وجد يوميات حرب تمتدّ من أبريل/ نيسان إلى يونيو/ حزيران 2024 في غزة، وتحديدًا جباليا. إذ وثق الجندي الإسرائيلي حفلات شواء وصور (سيلفي) بين زملائه، واحتفالات على وقع الأغاني أمام جرافات مدرّعة ومنازل مهدمة وأراضٍ مجرّفة.
ومن بين هذه اليوميات برزت صورة نشرها يوم 22 مايو/ آيار 2024، يظهر فيها "ميارا" مع جنود آخرين وهم يحرقون أراضٍ زراعية واسعة شرق جباليا، عند الطريق الترابي الذي مدّه الاحتلال حتى السياج الفاصل، وعلّق عليه بالعبرية: "لاغ بعومر يقترب"، في إشارة إلى العيد اليهودي الذي يحتفل به المستوطنون بإشعال النيران.
وللتأكّد من الحريق وزمنه، تتبّع الفريق صور الأقمار الصناعية الملتقطة للمنطقة -عبر خاصية ترصد الحرارة والحرائق المعروفة بـ"سوير" (SWIR)- فتبيّن أن حرق الأرض وتجريفها بدآ في مايو/ آيار 2024، في نفس الوقت الذي كان فيه "ميارا" هناك.
بعد أسابيع، وتحديدًا في 17 يونيو/ حزيران 2024، نشر "ميارا" ألبومًا يوثق عمليات هدم وتدمير؛ إذ ظهرت مقاطع توثق أرا ض تجرَّف، وأخرى لمبان سكنية تُفجَّر بينما يضحك الجنود خلف الكاميرا، وغيرها لسور يُفكَّك حجرًا حجرًا.
تمهيد الطريق للدبابات
ولمعرفة أثر ما فعله الاحتلال في المنطقة، توجه فريق "إيكاد" لصور الأقمار الصناعية الملتقطة لنفس البقعة الجغرافية التي وُثقت عليها الأحداث، وبالمقارنة بين صورة ملتقطة بتاريخ 9 مايو/ آيار وأخرى في 18 يونيو/ حزيران، ظهر كيف اتّسع الطريق وتناقصت المساحات الخضراء، ومُهِّدت الأرض لتعبرها الدبابات إلى تخوم جباليا.
وبالتالي، مثَّل شقُّ الطرق وحرقُ المزارع في مايو/ آيار، وهدمُ المنازل في يونيو/ حزيران، تمهيدًا لإطباق الحصار والتهجير القسري الذين وثقهمها صدر التحقيق في أكتوبر/ تشرين الأول 2024.
ومن الجرافات والمحاريث المدرّعة ومهامّ التدمير التي ملأت حساب "ميارا"، خلص الفريق إلى أنه يعمل ضمن سلاح الهندسة القتالية، المعني بفتح الطرق وتفجير المباني ليمهّد الطريق أمام الوحدات المدرّعة.
ابتسامة فوق معاناة النازحين
من هذا التمهيد ننتقل إلى الجهة المستفيدة منه؛ وتحديدًا إلى اللواء السابع المدرّع المعروف بلقب "عاصفة الجولان". فعند شارع صلاح الدين، الطريق الذي مرَّ عبره أهالي جباليا خلال تهجيرهم جنوبًا، تتبّع الفريق جنديًا من هذا اللواء يدعى "مارسيل خنيفص" (Marcell Khnifess). وضعته منشوراته عند إحدى النقاط التي كانت دبابات الاحتلال تراقب منها النازحين، ويربطه وسم ظاهر في صوره باللواء، وفي إحداها يبتسم وسط معاناة المدنيين، بينما توجّه دبابات الاحتلال مدافعها ورشاشاتها نحو النازحين المُهجَّرين عنوة.
وكان "خنيفص" قد وثّق في أواخر 2023 يوميات أخرى؛ من الوقوف على أطلال شاطئ غزة إلى تخريب منشآت مدنية داخل جباليا.
تمهيد لخطة "الجنرالات"
في الوقت الذي كان ينهي فيه الفريق هذا التقرير، كانت جباليا تتحول إلى ساحة اختبار لما عُرِفَ بخطة "الجنرالات" -التصور الذي ارتبط بجنرالات إسرائيليين متقاعدين، أبرزهم "غيورا آيلاند"- القائمة على دفع سكان شمال غزة جنوبًا، ثم خنق من يبقى في الشمال بقطع الغذاء والماء والمساعدات.
وكانت تقديرات أممية تشير، في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، إلى بقاء نحو 400 ألف فلسطيني في شمال القطاع، بينما شملت أوامر الإخلاء جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون، بالتزامن مع هجوم بدأه الاحتلال في 5 أكتوبر/ تشرين الأول، ودفع خلال أيامه العشرة الأولى نحو 75 ألف شخص إلى النزوح، بينهم قرابة 50 ألفًا من جباليا.
وبهذا المعنى، يأخذ الطريق الذي شُقّ شرق جباليا موقعه داخل مشهد ميداني وسياسي أوسع، يبدأ بتمهيد الأرض وينتهي بدفع المدنيين جنوبًا تحت فوهات الدبابات.