"إيكاد" ترصد نشاط فلول نظام الأسد في لبنان
أثناء متابعة فريق "إيكاد" لعدد من حسابات فلول نظام الأسد، رصد الفريق، في مايو/ أيار 2025، صورة نشرها شاب سوري يدعى "حسن إبراهيم"، يثني فيها على رجل جالس في سيارة، معلنًا فيها أنه خاضع لحمايته. وبالبحث، تبين أن هذا الرجل هو "نوح زعيتر"، المقرّب من نظام الأسد وأحد أكبر تجار المخدرات في لبنان.
كانت تلك الصورة طرف الخيط. فمن خلالها كشف الفريق تواجد حسن في لبنان، الأمر الذي دفعنا إلى تتبع الحساب وتحليل ارتباطاته، وهو ما قادنا إلى الوصول لشبكة من فلول النظام ظهرت بعد سقوطه في "لبنان"، داخل مناطق نفوذ "حزب الله" والميليشيات المرتبطة به. ويسعى هذا التحقيق إلى الإجابة عن سؤالين رئيسيين: كيف أثبتنا وجودهم في لبنان؟ وما الذي يفعلونه هناك؟
كيف أثبتنا وجودهم في لبنان؟
من خلال رصد عدد من الحسابات التي بدا عليها انتماء أصحابها إلى النظام السابق، ورصد التفاعلات المرتبطة بها، وتحليل المحتوى المنشور عليها، رجح الفريق وجودهم في الأراضي اللبنانية.
فعلى سبيل المثال، نشر صاحب التحية "حسن إبراهيم" -وهو علوي من طرطوس- صورًا ومقاطع يظهر فيها مسلحًا بجوار سيارات تحمل لوحات تعريف لبنانية، ما يعني أنه -على الأرجح- موجود في لبنان.
ومن خلال المحتوى المنشور على حساب "حسن"، وصل الفريق إلى حساب "محمد الونوس"، وهو علوي من جبلة. وجمعت الاثنين عدة صور ظهرا فيها مسلحيْن، ما يعني أنهما في ذات الموقع.
وبعد إثبات وجود أفراد الشبكة في لبنان، انتقل الفريق إلى رصد وتحليل ما نشرته حساباتهم، سعيًا للتعرف على طبيعة نشاطهم في الأراضي اللبنانية.
ماذا كانوا يفعلون في لبنان؟
توزّع نشاط هؤلاء، كما وثّقته حساباتهم، على ستة خطوط متشابكة، من حمل السلاح إلى تهديد الحكومة السورية.
ظهروا جميعًا مسلّحين
القاسم المشترك الأول أن أفراد الشبكة وثّقوا -عبر المواد المنشورة على حساباتهم- حيازتهم للسلاح وانخراطهم ضمن بيئات مسلحة.
في كنف ميليشيا "آل زعيتر"
كما وثّقت بعض حساباتهم ارتباطهم بجماعة "آل زعيتر"، المقربة من نظام الأسد والمعروفة بالاتجار بالمخدرات وعمليات الخطف والابتزاز.
مؤشرات الارتباط بـ "حزب الله"
إضافة إلى ارتباطهم بـ "آل زعيتر"، رصد فريق "إيكاد" -استنادًا إلى تحليل محتوى الحسابات المرصودة- تواجد عدد من فلول نظام الأسد داخل مناطق نفوذ "حزب الله" اللبناني. إذ نشر كل من "حسن إبراهيم" و"حمزة رحمون" مقاطع مختلفة لمجموعة سيارات ترفع رايات الحزب، وقد نشر الأخير صورًا له ولمرافقيه تحت وسمَي "الساحل السوري" و"المقاومة"، وظهر بلباس عسكري ضمن أرتال تسير في مناطق جبلية، ما يشير إلى احتمالية انخراطه ضمن صفوف الحزب.
تهريبٌ نشط على خط الحدود
لم يقتصر تواجد أعضاء الشبكة على لبنان، أو بالأحرى مناطق نفوذ "حزب الله" الجنوبية، إذ تكشف منشورات الشبكة عن حركة نشطة على خط الحدود السورية اللبنانية، ذهابًا وإيابًا. ولعل من أوضح النماذج على ذلك ما وثّقه "علي الحسن". فبعد إعلان انتقاله إلى بعلبك في يونيو/ حزيران 2025، نشر مقطعًا له، في 13 أغسطس/ آب، من داخل "عين الشرقية" بمدينة اللاذقية في الساحل السوري، ومقطعًا آخر من بلدة "بيت ياشوط" في المدينة نفسها، ثم عاد في 12 سبتمبر/ أيلول 2025 لينشر مقطعًا من داخل سيارة تسير في طريق جبلي، حدد موقعه على الحدود السورية اللبنانية.
وفي ذات السياق، نشر "حارث سليطين" صورة يقف فيها قرب سياج أو شريط حدودي، ونشر "محمد المحمد" مقاطع من داخل سيارات تسير في طرق جبلية وعرة، يُرجّح أنها مسارات حدودية بين لبنان وسوريا، وظهرت في أحد مقاطعه بندقية موضوعة على لوحة القيادة أثناء تنقله.
خيوطٌ ممدودة إلى فلول الداخل
كذلك لم تنقطع صلة الشبكة بفلول النظام داخل سوريا. وأوثق خيوطه ما كشفه تتبّع حساب "محمد الونوس"، إذ تبيّن أنه ذاته من يدير حساب "أبو تراب ظل المقاومة"، أحد الحسابات المركزية في شبكات فلول النظام، والمرتبط مباشرةً بـ"مضر علي"، أحد الأسماء البارزة في هذه الشبكات.
فمن حساب "أبو تراب" نُشرت مقاطع لملثّمٍ يظهر على أحد أصابع يده اليسرى وشمٌ مطابق -شكلًا وموضعًا- للوشم الظاهر في صور "الونوس"، ما يشي بأن الحسابين يديرهما الشخص نفسه.
وامتد الخيط إلى الشرق السوري أيضًا. فبحسب نمط التفاعل المشترك، يُعدّ "علي الحسن" مقربًا من فلول لنظام الأسد كشف الفريق، في تحقيق سابق، انخراطهم في صفوف "قسد"، مثل "علي أسعد أبو حسين" و"علي حبابة"، وقد ازدحمت تعليقات منشورات "الحسن" بعبارات الترحيب والتودّد المتبادلة بين هذه الأوساط.
وتظهر صلة أخرى بفلول الداخل في أرشيف "حمزة رحمون"، الذي تكشف منشوراته قربه من جماعة "جعفر سعيد" المسلحة، التي رصدها الفريق في الأشهر الأولى بعد سقوط الأسد. فقد نشر نعوات لمقاتلين منها، وصورة بتاريخ 3 يناير/ كانون الثاني 2025 بالتزامن مع الأحداث التي شهدها الساحل حينها، ثم انتقل إلى بيروت بعد نحو شهر من مقتل "جعفر سعيد" نفسه.
ويمتد الخيط نفسه إلى "يزن بدور" الملقب "الجادو"، من قرية "بكسا" في ريف "اللاذقية" الشمالي. وتشير خانة العمل في حسابه إلى خدمته سابقًا في قوات "الحرس الجمهوري". وفي 23 يناير/ كانون الثاني 2025، نشر فيديو تظهر فيه بندقية كلاشنيكوف ومسدس داخل سيارته، ثم نشر، في 6 مارس/ آذار، صورة يظهر فيها ملثمًا ومسلحًا برفقة ملثمين آخرين، بالتزامن مع أحداث الساحل. وتربط هذه المواد "يزن" بالمشهد المسلح المرتبط بفلول النظام في الساحل، قبل انتقاله إلى لبنان.
وتكمل المطابقة البصرية خط "يزن" الزمني قبل انتقاله إلى لبنان. فقد طابق الفريق، في أحد مقاطعه، الشوارع والأبنية وواجهات المحال الظاهرة في الخلفية، ومنها محل "بن برهوم"، وحدد موقعه في حي "الدعتور" بمدينة "اللاذقية"، الذي شهد حملة أمنية ضد الفلول في 4 مارس/ آذار 2025.
سلاحٌ موجّه ضد الحكومة السورية
وفي لبنان ظهر الامتداد المسلح الأوضح لهذا المسار. ففي 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، نشر "يزن"، عبر حساب جديد أرشف الفريق محتواه قبل إغلاقه، صورًا لرشاشات روسية ومقاطع حملت اسم "صقور الساحل"، بينها لقطة لملثم أمام راية "حزب الله". وفي اليوم التالي ظهر ملثمًا ومسلحًا يهدد الحكومة السورية، زاعمًا تجهيز آلاف المقاتلين لمهاجمتها. وبذلك أعلن حساب "صقور الساحل" عن خلية مسلحة تنشط من لبنان وتوجه تهديدها نحو دمشق.
الخلاصة
يوثّق التحقيق مسارًا متصلًا لفلول من الساحل السوري انتقلوا إلى لبنان، وظهروا مسلحين داخل بيئات مرتبطة بـ "آل زعيتر" و"حزب الله"، مع حركة متكررة عبر الحدود. وتمتد خيوطهم إلى حسابات مرتبطة بـ "لواء درع الساحل" وخلية "صقور الساحل"، التي وجّهت تهديدًا مسلحًا إلى الحكومة السورية من الأراضي اللبنانية.