قاعدة البيانات
مقال

كيف أيقظت الحرب على إيران نبوءات آخر الزمان؟

20/7/2026

بعد أيام من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، خرج رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليشبه الإيرانيين بـ "العماليق"، الذين يرمزون -في التوراة- إلى "العدو الذي أمر الإله بمحو ذكره". كما وصف وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، أفكار النظام الإيراني بـ "الأوهام النبوية الإسلامية"، فيما أعلن السيناتور ليندسي غراهام أن "هذه حرب دينية".

بالتوازي مع ذلك، كشفت مؤسسة الحرية الدينية العسكرية (MRFF) عن تلقيها أكثر من 200 شكوى من عسكريين أمريكيين في أكثر من 50 قاعدة، أبلغوا فيها أن قادتهم أخبروهم بأن الحرب على إيران هي جزء من حرب دينية، كما نُقل أن أحد القادة قال لجنوده إنها "خطة الله الإلهية"، وإن الرئيس ترامب "مُسِح من يسوع ليشعل شرارة هرمجدون".

انعكست هذه الخطابات الرسمية بوضوح على الفضاء الرقمي، إذ شهدت منصات التواصل الاجتماعي تصاعدًا لافتًا في الخطاب الديني المرتبط بالنبوءات التوراتية والإنجيلية، في محاولة لتصوير الحرب على إيران باعتبارها تحقيقًا لنبوءات آخر الزمان.

ولتتبع هذا الخطاب ومدى انتشاره، جمع فريق "إيكاد" 40 كلمة مفتاحية مستمدة من النصوص التوراتية والإنجيلية الأكثر استخدامًا في خطاب "نبوءات آخر الزمان"، وأخضعها للتتبع والتحليل، من منتصف فبراير/ شباط حتى منتصف مارس/ آذار 2026. وكانت النتيجة رصد نحو 190 ألف منشور، نشرها قرابة 116 ألف حساب، خلال تلك الفترة.

وكانت ذروة النشر اليومية في 4 مارس/ آذار 2026، إذ بلغ عدد المنشورات يومها أكثر من 23 ألف منشور، أي ثمانية أضعاف معدل النشر اليومي قبل اندلاع الحرب.

مرفق 01  منحنى تطور المنشورات الدينية المرتبطة بإيران على منصات التواصل الاجتماعي، في الفترة من 15 فبراير/ شباط حتى 15 مارس/ آذار 2026 (إيكاد)

ولقياس ما إذا كان الخطاب مرتبطًا بالحرب على إيران تحديدًا أم أنه نشاط ديني عام سابق، استخدمنا كلمة "Iran" لتصفية النتائج، فتكشّف لنا أن نحو 106 آلاف منشور من أصل الـ 189 ألفًا (56%) تضمّنت ذكرًا مباشرًا لإيران.

غير أن الدلالة الأبرز تظهر في المقارنة الزمنية؛ فقبل الحرب، لم تتجاوز نسبة المنشورات الدينية التي تذكر إيران 16%، بمعدل 466 منشورًا يوميًا. في حين قفزت النسبة إلى 66% بعد اندلاع الحرب.

مرفق 02 مقارنة بين منحنى إجمالي المنشورات الدينية (بالأحمر) ومنحنى المنشورات المرتبطة بإيران تحديدًا (بالبرتقالي)، في الفترة من 15 فبراير/ شباط حتى 15 مارس/ آذار 2026 (إيكاد)

هوية الحسابات وموقعها الجغرافي

وللتعرف على هوية الحسابات التي قادت هذا الخطاب، تكشف خريطة الـ "Bio Terms" أن النقاش الديني هيمنت عليه حسابات إنجيلية أمريكية؛ إذ تصدّرت تعريفاتها مصطلحات مثل "GOD" و"Jesus" و"Christ" و"Christian" ورمز الصليب، ممثَّلة بمعدل يتراوح بين ضعفين وأربعة أضعاف المعدل العام على المنصة، فضلًا عن وسوم وشعارات أمريكية يستخدمها اليمينيون -مثل "MAGA" و"AMERICA FIRST"- بمعدل أعلى 4.5 مرات، و"Christian Zionist" بمعدل أعلى 4.7 مرات.

مرفق 03

وجاء التوزيع الجغرافي منسجمًا مع هذه الصورة؛ إذ تصدّرت الولايات المتحدة بـ 63% من التفاعلات، تلتها الهند بـ 8%، وهو مؤشر على احتمال توظيف شبكات إلكترونية هندية في تضخيم هذا المحتوى، ثم المملكة المتحدة بـ 6%.

مرفق 04 جدول وخريطة يظهران التوزيع الجغرافي للحسابات التي قادت الخطاب (إيكاد)

تحليل السرديات الدينية المهيمنة

تمحورت السرديات الكبرى حول إسقاط الشخصيات التوراتية على أطراف الحرب؛ فمثلًا، قدمت إحدى السرديات إيران (فارس) باعتبارها جزءًا من التحالف الذي تنبأ به سفر "حزقيال"، والذي سيهاجم إسرائيل في آخر الزمان، مما يجعل الحرب عليها خطوة ضرورية في تحقيق النبوءة.

وفي السياق ذاته، وظّفت سردية موازية تزامنَ اغتيال خامنئي مع عيد البوريم، لتشبيهه بقصة وردت في سفر أستير، حيث أُعدم هامان الفارسي الذي خطّط لإبادة اليهود، فأُلبس خامنئي لقب "هامان العصر الحديث". أما ترامب، فشبّهته سردية ثالثة بالملك كورش، الذي وصفه الكتاب المقدس بـ"مسيح الله" (إشعياء 45)، معتبرين أنه "أداة إلهية مُختارة لتدمير النظام الإيراني".

مرفق 05 صورة تظهر خريطة تجمّعات المحتوى الديني النبوئي المرتبط بالحرب على إيران على منصات التواصل الاجتماعي، في الفترة من 15 فبراير/ شباط حتى 15 مارس/ آذار 2026 (إيكاد)
صورة تظهر منشورين متداولين على منصة "إكس"، أحدهما يقدّم إيران بوصفها "فارس" في نبوءة حزقيال، والآخر يشبّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالملك كورش الفارسي.

امتدّت هذه السرديات لتشمل الضربات العسكرية ذاتها، إذ رأت فيها تحقيقًا حرفيًا لنصوص توراتية محددة. فسردية "دانيال 8" استندت إلى رؤيا الإصحاح الثامن، حيث يهاجم "تَيْس" -يعني أمريكا وإسرائيل- "كبشًا" -يتمثل هنا في إيران- ويحطّمه، ورأت في الغارات الجوية تطابقًا مباشرًا مع هذا المشهد.

وعلى النهج ذاته، وظّفت سردية "قوس عيلام" نبوءة إرميا 49:34-39 عن "كسر قوس عيلام"، والتي يرمز بها إلى المنطقة التي تضمّ جنوب غرب إيران ومنشآتها النووية والعسكرية، لتقول إن الضربات جاءت تحقيقًا مباشرًا لهذا النص.

الخلاصة

رصد التقرير تصاعدًا غير مسبوق في الخطاب الديني عقب الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، عبر تتبع أكثر من 40 مصطلحًا مستمدًا من نصوص آخر الزمان. بلغ معدل النشر اليومي 8.6 أضعاف ما قبل الحرب، فيما ارتفعت نسبة المنشورات الدينية التي تذكر إيران إلى 66%.

قاد هذا الخطاب حسابات مسيحية إنجيلية أمريكية، وتمحور حول خمس سرديات صوّرت أطراف الحرب بشخصيات توراتية: إيران بوصفها "فارس" في نبوءة حزقيال، وخامنئي بـ"هامان" في قصة البوريم، وترامب بالملك كورش "المسح الإلهي"، فضلًا عن رؤيا "دانيال 8" ونبوءة "إرميا 49"، اللتين رأتا في الغارات تحقيقًا حرفيًا للنص المقدس في محاربة الأعداء.