كيف تمهّد حركة "نحالا" اليمينية لإعادة استيطان غزة؟
في صباح الخميس 18 ديسمبر/ كانون الأول 2025، نظمت حركة "نحالا" الإسرائيلية وقفة لنحو 20 من نشطائها داخل حدود قطاع غزة، والتقطوا صورًا جماعية لهم ناصبين علم دولتهم المحتلة وراية حركتهم اليمينية المتشددة.
وبعد ساعات، نشرت دانييلا فايس، رئيسة الحركة، الصور على حسابها في منصة "إكس"، وكتبت تحتها أن الموقع هو "كفار داروم"، وهو اسم ذو دلالة في الوعي الإسرائيلي الحديث. وفي اليوم نفسه، نشرت صفحة الحركة الرسمية على فيسبوك حملة تبرعات لتمويل ما سمّته "الخطوة الأولى لمحو عار الترحيل".
يكشف هذا التحقيق ما جرى في تلك الوقفة، ويتحقق من موقعها الجغرافي، ويتتبع الشبكة التي تقف خلفها. ويسعى للإجابة عن ثلاثة أسئلة: أين جرت الوقفة فعلًا؟ من يقف خلف حركة "نحالا"؟ وما الهدف الذي تسعى الحركة لتحقيقه عبر هذه الفعاليات الميدانية؟
أين جرت الوقفة على وجه التحديد؟
بدأت القصة من منشور لـ "أرييل كاهانا"، محلل شؤون البيت الأبيض في صحيفة "إسرائيل هيوم" اليمينية، نشره على فيسبوك في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2025، وفيه ظهر النشطاء رافعين العلم على ما وصفه كاهانا بـ "أنقاض مستوطنتي كفار داروم وموراج" داخل قطاع غزة. كما أكدت تغريدة دانييلا فايس على منصة "إكس" الموقع المُعلن من حركتها: "كفار داروم"، وأرفقت بالتغريدة صورة تجمع نحو 20 شخصًا حول علم الاحتلال الإسرائيلي.
للتحقق من موقع التقاط الصورة، حسّن فريقنا دقة المعالم الظاهرة في خلفيتها، مثل أبراج المراقبة والمنعطفات الترابية والبركسات، ثم قارن هذه المعالم بالصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية للمناطق الحدودية داخل قطاع غزة، ما كشف عن تطابق المعالم مع أحد المواقع في شرق حي "المغازي" التابع لمنطقة دير البلح. واللافت أن هذه المنطقة هي ذاتها التي كانت مستوطنة "كفار دوروم" قائمة فيها قبل رحيل الاحتلال عن القطاع عام 2005.
حركة نحالا.. تاريخ من الأنشطة الاستيطانية
تأسست حركة "نحالا" -المنظمة للوقفة- عام 2005 ردًا على إخلاء مستوطنات قطاع غزة وشمال الضفة الغربية ضمن خطة فك الارتباط الإسرائيلية، متبنية خطابًا يدعو إلى توسيع الاستيطان ويدفع باتجاه تهجير الفلسطينيين من المناطق التي تستهدفها، وفق ما يظهر في منشوراتها وبياناتها.
ولتحقيق أهدافها، تعمل الحركة على ثلاثة مسارات متوازية؛ فهي تنشئ وتدرب مجموعات من الإسرائيليين -تسمى "نويات استيطانية" (Garinim)- انتظارًا للحظة المناسبة لاحتلال أراض الفلسطينية. كما أنها تنظم مؤتمرات تدعو للاستيطان في غزة والمنطقة "ج" بدعم من وزراء يمينيين بارزين، أبرزهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
أما المسار الثالث، فيتمثل في مساهمة الحركة فعليًا في تأسيس عدد من المشاريع والبؤر الاستيطانية على أنقاض الأراضي الفلسطينية. وبعد "طوفان الأقصى" عام 2023، وثق فريقنا خمس بؤر استيطانية أسستها "نحالا"، أو أعلنت عزمها على إقامة مستوطنات فيها.
"محو عار الرحيل".. ما هدف الوقفة؟
بشكل واضح، أعلنت رئيسة الحركة، في بيانها، أن الفعالية تعد بمثابة "الخطوة الأولى لمحو عار الرحيل"، في إشارة إلى انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من غزة عام 2005. وقد بدأت الترويج للفعالية منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، بالتنسيق مع كيانات استيطانية أخرى؛ أبرزها خلية "Garin Yishai" الاستيطانية و"منتدى جرحى الحرب".
سبقت الوقفة حملة دينية موسّعة قادتها شخصيات يمينية متطرفة، حيث ظهر الحاخام نوعام والدمان، رئيس مدرسة "نير" الدينية في الخليل، في مقاطع مصوّرة يدعو فيها إلى تجديد الاستيطان في غزة. وانضم إليه الحاخام يتسحاق شافيت، والحاخام يائير شاحر، حاخام مستوطنة "معاليه ليفونا".
وبالتوازي مع الحملة الدينية، نشرت الحركة بيانًا رسميًا موجهًا إلى رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، طالبته فيه بدعم مسار إعادة استيطان غزة وتهجير سكانها. حمل البيان توقيعات حاخامات ومسؤولين دينيين، ووُزّع على الحسابات الرسمية للحركة في موجة منسّقة قبل أيام من تنفيذ الوقفة.
التمهيد لإعادة استيطان القطاع
تأتي وقفة "كفار داروم" في توقيت سياسي حساس، إذ تتصاعد الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية بوتيرة غير مسبوقة، ويواجه نتنياهو ضغوطًا أمريكية ودولية بشأن "اليوم التالي" في غزة، كما يتزايد الحديث عن احتمال إدخال قوات دولية لإدارة القطاع ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية. وتتقاطع هذه التطورات مع طموحات حركة نحالا على نحو يمنح وقفتها وزنًا يتجاوز حدثها الميداني.
وفي هذا الإطار، من الممكن القول إن الوقفة تخدم ثلاثة أهداف متكاملة. أولها فرض أمر واقع ميداني، عبر إقامة وجود استيطاني -ولو رمزي- داخل المناطق العازلة أو المُخلاة، تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، بهدف تعطيل أي مسار سياسي يقود إلى إدارة دولية أو فلسطينية للقطاع. وثانيها الضغط على حكومة الاحتلال الإسرائيلي، من خلال حشد دعم شعبي وديني لخيار "الاستيطان الكامل" بدلًا من الانسحاب أو تسليم المهام لقوات دولية، عبر مشاركة شخصيات دينية ومجتمعية بارزة تمنح الحركة ثقلًا سياسيًا. وثالثها التمهيد اللوجستي، عن طريق إحياء المسميات الاستيطانية القديمة ("كفار داروم"، "نيتساريم"، "غوش قطيف") في الوعي الإسرائيلي، وجمع التبرعات لتدريب نويات استيطانية (Garinim) جاهزة للانتقال فور توفر الظروف.