قاعدة البيانات
مقال

لماذا ذهب الأمريكيون إلى القمر؟ ولماذا توقفوا؟ ولماذا يعودون الآن؟

18/7/2026

حين نرى نيل أرمسترونغ يهبط من سلم المركبة القمرية في يوليو/ تموز 1969، يسهل أن نتعامل مع المشهد كأنه لحظة علمية بحتة، لكن الحقيقة التاريخية أكثر تركيبًا. نعم، كان الهبوط على القمر إنجازًا علميًا وهندسيًا، لكنه لم يبدأ بالأساس بوصفه مشروعًا علميًا محايدًا، بل بدأ، واستمر في جوهره، كقرار سياسي في قلب الحرب الباردة. 

ذهب الأمريكيون إلى القمر لأنه كان أبعد منصة يمكن أن ترفع عليها راية التفوق. لم يكن السؤال في واشنطن مطلع الستينيات عن أكثر الأسئلة العلمية إلحاحًا عن القمر، بل ببساطة كان: كيف نتفوق على الاتحاد السوفيتي؟

بدأت القصة قبل "أبولو" بسنوات، حين أطلق الاتحاد السوفيتي "سبوتنيك" عام 1957؛ أول قمر صناعي يدور حول الأرض. لم يكن "سبوتنيك" مجرد كرة معدنية تصدر إشارات من المدار، بل كان صفعة استراتيجية؛ فقدرة السوفييت على وضع قمر صناعي في المدار، تعني امتلاكهم صواريخ قوية بما يكفي لحمل أشياء أخرى -ربما تكون رؤوسًا نووية- عبر القارات. ثم جاءت ضربة أخرى عام 1961، حين أصبح يوري غاغارين أول إنسان يدور حول الأرض. وفي تلك اللحظة، بدا أن الاتحاد السوفيتي يسبق الولايات المتحدة في أكثر ساحات القرن العشرين رمزية. 

كان الأمريكيون قد أرسلوا "آلان شيبرد" في رحلة قصيرة شبه مدارية، لكن الفارق الرمزي كان كبيرًا، فغاغارين دار حول الكوكب، أما شيبرد فصعد وهبط سريعًا. وفي أبريل/ نيسان من العام نفسه، فشلت عملية خليج الخنازير في كوبا، لتزيد الضغط على إدارة جون كينيدي الجديدة. ولذا، احتاج الرئيس الأمريكي إلى هدف كبير، واضح، قابل للقياس، ومفهوم للجمهور العالمي.

صورة

وفي تلك الأجواء، أعلن كينيدي أمام الكونغرس، في مايو/ أيار 1961، هدفًا بدا جنونيًا آنذاك؛ وهو أن تلتزم الولايات المتحدة، قبل نهاية العقد، بإنزال إنسان على القمر وإعادته سالمًا إلى الأرض. كان القمر مثاليًا لهذا الغرض. فهو بعيد بما يكفي ليكون إنجازًا غير مسبوق، وقريب بما يكفي ليكون ممكنًا خلال عقد، وصعب بما يكفي ليجبر الدولة على تعبئة صناعية وعلمية هائلة. والأهم أنه كان هدفًا يمكن أن يفهمه أي إنسان في العالم. لم تكن هناك حاجة إلى شرح طويل؛ أول دولة تُنزل إنسانًا على القمر ستحظى بصورة القرن.

مرفق 03 جون كينيدي أمام الكونغرس الأمريكي، في 25 مايو/ أيار 1961 (u003ca href=u0022https://www.nasa.gov/wp-content/uploads/2017/04/9260665_1.jpgu0022u003eNASAu003c/au003e) u003cbru003e

وبتكلفة تخطت 200 مليار دولار بمعايير اليوم، بدأت دراسة القمر والإعداد للهبوط عليه. نتحدث هنا عن عشرات الرحلات التجريبية والفاشلة، وبعض الوفيات، وهندسة معقدة تطورت مع الوقت. كان الدافع الأساس أن يكون الهبوط على سطح القمر بمثابة جندي إضافي في الحرب بين القوى الكبرى، لكن قيمته تساوي جيشًا بأكمله؛ فالهزيمة النفسية -في بعض الأحيان- أقوى من الهزيمة العسكرية.

السؤال الشائع: إذا كانوا قد ذهبوا فعلًا إلى القمر، فلماذا لم يعودوا إليه مرة أخرى؟ في الحقيقة، عادوا أكثر من مرة. لم تكن "أبولو 11" هي الهبوط الوحيد.

بعد أرمسترونغ وألدرن، جاءت "أبولو 12" في سبتمبر/ أيلول 1969.

إذن، هبط البشر على القمر ست مرات بين 1969 و1972. لكن السؤال الأدق هو: لماذا توقفوا بعد "أبولو 17"؟ والإجابة المختصرة هي كل ما سبق، لأن الدافع السياسي الأصلي انتهى، والكلفة لا تزال هائلة، والمخاطر بقيت مرتفعة، والأهم هو أن الأولويات الأمريكية تغيرت. كان هدف كينيدي واضحًا، وهو الوصول إلى القمر قبل نهاية الستينيات، وقد تحقق الهدف، ومن ثم فقد المشروع جزءًا كبيرًا من مبرره السياسي، فالفوز بالسباق لا يحتاج إلى الفوز به كل عام. 

وقد يكون من المهم الإشارة هنا إلى حقيقة مهمة، وهي أن مشروع "أبولو" لم يكن يحظى بشعبية واسعة بالقدر الذي نتخيله اليوم. حيث كان يفضل الكثير من الأمريكيين أن يوجَّه المالُ المنفق عليه نحو محاربة الفقر وتطوير المدن والتعليم والصحة. وبنهاية الستينيات، كانت البلاد تعيش اضطرابات داخلية حادة، من حركة الحقوق المدنية، إلى الاغتيالات السياسية، والاحتجاجات الطلابية، والأزمة الفيتنامية، والتضخم في الإنفاق الحكومي.

إذن.. لماذا يعودون الآن؟

العودة الحالية إلى القمر، عبر برنامج "أرتيمس"، ليست تكرارًا رومانسيًا لـ "أبولو". إنها عودة في عالم مختلف تمامًا. في الستينيات كان الهدف هو الهبوط فقط، أما اليوم فالهدف المعلن أوسع؛ وهو بناء بنية تحتية تمكّن البشر من إقامة وجود مستدام على سطح القمر، ووضع الأساس للشركات الخاصة لبناء اقتصاد على القمر، وتمهيد الطريق لهبوط البشر على المريخ.

مرفق 04 صورة التقطها طاقم مهمة u0022أرتميس 2u0022 خلال تحلقيهم حول القمر للأرض في طور الهلال، في 6 أبريل/ نيسان 2026 (u003ca href=u0022https://images-assets.nasa.gov/image/art002e009285/art002e009285~large.jpg?w=1920u0026amp;h=1280u0026amp;fit=clipu0026amp;crop=faces%2Cfocalpointu0022u003eNASAu003c/au003e)u003cbru003e

لا شك من وجود أسباب سياسية لهذا التوجه الأمريكي الجديد، وهي أسباب رئيسية إلى حد كبير، تتعلق بالصعود المتسارع للقوة العلمية الصينية، وبالأخص مشروعها الفضائي، مع وجود نوايا صينية لبناء قواعد على سطح القمر. وهو ما يعني أن الصين تكتسب قوة ناعمة كبيرة، توحي من خلالها للعالم بأن الصين أصبحت قوة "سياسية" تضاهي الولايات المتحدة الأمريكية، بل تفوقها كذلك.

مرفق 05 الشكل النهائي لمحطة الفضاء الصينية u0022تيانغونغu0022 (u003ca href=u0022https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/2/25/Chinese_Tiangong_Space_Station.jpgu0022u003eWikimedia Commonsu003c/au003e)u003cbru003e

لكن هناك سبب آخر قد لا يقل أهمية عن سابقه، وهو الاقتصاد. إذ يعتقد فريق من العلماء أن الفضاء عمومًا، والقمر خصوصًا، زاخر بالموارد؛ من المعادن الأرضية النادرة إلى غيرها من "الكنوز" بالمعنى الاقتصادي، وهناك بالفعل سباق محموم بين عدد من الدول للوصول أولًا إلى تقنيات تمكنهم من استخراج هذه الموارد؛ من الكويكبات أو الكواكب أو القمر.

مرفق 06 صورة مقربة لمركبة u0022أوريونu0022 الفضائية التابعة لناسا ضمن مهمة u0022أرتميس 2u0022، يوم 20 مارس/ آذار 2026 (u003ca href=u0022https://images-assets.nasa.gov/image/KSC-20260320-PH-JBS01_0083/KSC-20260320-PH-JBS01_0083~large.jpg?w=1536u0026amp;h=1024u0026amp;fit=cropu0026amp;crop=faces%2Cfocalpointu0022u003eNASAu003c/au003e)u003cbru003e

حين نتحدث عن القمر، قد نتخيله مكانًا بعيدًا عن السياسة الأرضية، لكنه ليس كذلك. فكلما زادت قدرة البشر على الوصول إلى مكان ما، دخل هذا المكان إلى حيز الجغرافيا السياسية. كانت البحار كذلك، ولا تزال عليها خلافات حتى الآن بين الدول عمومًا، والقوى العظمى خصوصًا. ومثلها الجو، ثم المدار الأرضي، والآن يدخل الفضاء القمري حيز الصراع؛ الطرف الذي يملك القدرة على العمل فوق القمر، سيحظى بالنفوذ في الاتصالات والملاحة والاستشعار، فضلًا عن الموارد.

ولهذا أنشأت الولايات المتحدة، مع شركاء دوليين، اتفاقات "أرتيمس"؛ وهي مجموعة مبادئ للتعاون في استكشاف القمر والفضاء، تشمل الشفافية، وتبادل البيانات، والتشغيل البيني، والمساعدة الطارئة، وتجنب التضارب في الأنشطة. وفي المقابل، تدفع الصين وروسيا بمشروع محطة الأبحاث القمرية الدولية. 

مرفق 07

نحن إذن أمام خريطتين ناشئتين للفضاء؛ إحداها تقودها واشنطن، وأخرى تقودها بكين وموسكو. القمر هنا ليس مجرد جرم سماوي، بل مساحة لترتيب التحالفات وبسط الهيمنة الأرضية.