قاعدة البيانات
مقال

مؤتمر الأقليات في تل أبيب.. واجهة عربية لمشروع إسرائيلي

28/10/2025

بث الإعلامي الإسرائيلي، إيدي كوهين، مقطعًا مصورًا باللغة العربية دعا فيه متابعيه على منصات التواصل لمتابعة البث المباشر لما أطلق عليه مؤتمر "الأقليات". وانعقد الحدث في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 تحت شعارات إنسانية تبحث قضايا الأقليات الدينية والعرقية في سوريا والعراق، مستهدفًا مد جسور التطبيع بينها وبين كيان الاحتلال.  

تتبع فريق "إيكاد" البث المباشر للفعالية، وأخضع الوجوه المشاركة للفحص والتدقيق الرقمي؛ للتحقق من خلفياتهم، ومدى تمثيلهم للطوائف التي ينتمون إليها.

مؤتمر إسرائيلي بلسان عربي

كشفت صفحة حجز التذاكر الرقمية للمؤتمر عن مكان عقده داخل قاعة "بيت صهيونيي أمريكا" (ZOA House) في قلب تل أبيب، بتذكرة بلغت قيمتها 400 شيكل. وتولّت قنوات عبرية، بينها "القناة 14" العبرية، التغطية المرئية، بالتوازي مع ترويج كوهين -الإعلامي الإسرائيلي ذي الأصول اللبنانية والباحث الأول في مركز "بيغن-السادات"- وإدارته للمنصة.

وأظهرت المقاطع المرئية التي شاركتها الناشطة الإسرائيلية الدرزية، جوليا، من داخل القاعة حضورًا متواضعًا ومقاعد فارغة، ما ينفي وجود حشد كبير روج له منظمو الحدث كجزء من تضخيم صداه في الداخل السوري. 

مرفق 04 مقاعد فارغة في القاعة، من فيديو الناشطة جوليا

أردني  يتبنّى السردية الإسرائيلية

استضاف المؤتمر المعارض الأردني، عبد الإله المعلا، المقيم في الولايات المتحدة ورئيس ما يسمى "الائتلاف الأردني للتغيير". وفي الوقت الذي يدّعي فيه نصرة الأقليات والسنة في العراق، كشف تتبع نشاطه الرقمي عبر منصة "X" تبنّيه المطلق للسردية الإسرائيلية؛ إذ شارك منشورات تهاجم سكان قطاع غزة، وتكذّب المجاعة، بالتوازي مع ترويجه لتصريحات الوزير المتطرف، إيتمار بن غفير، ودعمه حظر عمل وكالة "الأونروا" الإغاثية في القطاع، فضلًا عن سخريته من الصحفي الغزاوي صالح الجعفراوي.

محور السويداء والدروز

بدوره، افتتح مروان كيوان -أحد مشايخ الدروز في السويداء- الكلمات المسجلة عبر الفيديو، حيث ظهر وخلفه علَما الدروز والاحتلال الإسرائيلي، مطالبًا بضم السويداء إلى كيان الاحتلال، وهو ما لاقى ترحيبًا فوريًا من كوهين. ورصد الفريق تسجيلات سابقة لكيوان تضمنت إساءات للذات الإلهية، ومباركة لـ "قسد" على ما وصفه بانتصارها على "الشرع".

وتقاطع خطاب كيوان مع تحركات كمال شاية، الناشط الدرزي المغترب الذي زار قرى الجولان المحتلة. وأعلن شاية -المقيم في أمريكا الجنوبية- عزمه زيارة الكنيست وخارجية الاحتلال خلال أسبوع عقد المؤتمر لطلب الدعم الإسرائيلي في حماية الطائفة، كما وثّق أرشيفه الرقمي دعوات سابقة لرفع علم الاحتلال فوق سفارة رسمية في دمشق عقب سقوط النظام السوري في ديسمبر/ كانون الأول 2024. ودعا كذلك -في منشور آخر- إلى تحويل مساجد السويداء لحظائر.

وعلى الساحة الأوروبية، برز قحطان حسون ممثلًا لما يسمى "التجمع السياسي للموحدين الدروز" -وهو كيان حديث أُسس في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 للترويج لاستقلال السويداء- معتمدًا على بث أخبار مفبركة تتعلق بالمشهد السوري، والسخرية من الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية. وتكاملت هذه الأدوار مع تصريحات مشاركين طالبوا بفرض حظر طيران وتأسيس "فيدرالية تابعة لإسرائيل".  

ومن زاوية أخرى، منح دروز الاحتلال المؤتمر غطاءً مؤسسيًا عبر مشاركة عضو الكنيست، أكرم حسون، الذي حرّض سابقًا على اغتيال الرئيس السوري أحمد الشرع. وتبعه الإمام يونس عماشة، عضو المجلس الديني الدرزي الأعلى، ثم أنور عامر، نائب رئيس أركان شرطة الاحتلال المتقاعد، الذي دعا سابقًا إلى القتال المسلح داخل سوريا دفاعًا عن الدروز. وبذلك يتحول خطاب حماية السويداء إلى دعوات للضم والاستقلال والفيدرالية التابعة لإسرائيل.

مرفق 17 عضو الكنيست أكرم حسون متحدثًا في المؤتمر

صناعة الصوت العلوي

كما حاول المنظّمون صُنع واجهات علوية تفتقر للرمزية الشعبية؛ إذ صعد للمنصة سامر إبراهيم، وأثبت فحص بيانات حسابه الرقمي أنه أُنشئ عام 2013 وظل خامدًا بلا منشورات حتى مايو/ آيار 2025، عندما وضع علم الاحتلال غلافًا له؛ مما يشير إلى أن ظهوره المفاجئ في المؤتمر إلى جانب كوهين يهدف إلى ترميزه وتضخيم دوره واعتباره ممثلًا عن علويّي سوريا. 

وتكرر النمط ذاته مع معن يحيى (معن أبو شمعون)، أحد مؤسسي "المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا"، والذي تظهر منشوراته استهزاء بالدين الإسلامي. إضافة إلى تميم خرماشو، عضو "مجلس المشرق العلوي"، الذي يُثني على دعاة ما يعرف بـ "الديانة الإبراهيمية". والكيانان أُسسا حديثًا في عام 2025 لترويج أفكار اضطهاد الأقليات والترويج للديانة الإبراهيمية البديلة.  

وانضم إليهم حسن مرهج، المنحدر من قرية "الغجر" العلوية المحتلة والإعلامي في قناة "i24" الإسرائيلية. وتكشف منشوراته أنه كان من مؤيدي النظام السابق ويعتبر بشار الأسد الرئيس الشرعي لسوريا، وتبنّى عام 2020 رواية نظامه بأن "الخوذ البيضاء" استخدموا الكيماوي في إدلب. واليوم يروّج مرهج روايات ضد الدولة السورية الجديدة، منها خبر سرقة المتحف الوطني في دمشق، رغم أن المتحف لم يُسرق منه شيء.

المسار الكردي ومخطط "مملكة داوود"

وامتدّ المؤتمر من الدروز والعلويين إلى مسارٍ كردي يربط القضية الكردية بإسرائيل، فظهرت على المنصة شخصيات ترفع العلم الكردي إلى جانب علم إسرائيل.

مرفق 26 أعلام كردية وإسرائيلية ودرزية على منصة المؤتمر

ومن العراق، يظهر على المنصة عارف ضهوجاني، رئيس حزب "حرية كوردستان"، وهو أحد المروّجين لــ "ممر داود" بين إسرائيل والأكراد في شمال شرق سوريا والعراق، مستندًا إلى خرائط تبشيرية ترسم "مملكة داوود" على امتداد ما يعرف بـ "إسرائيل الكبرى".

مرفق 27 خريطة "مملكة داود" من موقع تبشيري، روّجها ضهوجاني

ومن أوروبا، أَطَلَّ الكردي السوري، آلان والي، عبر الشاشات العبرية -بعد المؤتمر- مترحّمًا على القتلى الإسرائيليين في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كما وصف التحالف الإسرائيلي الكردي بالاستراتيجي. وفي منشوراته السابقة، رصد الفريق دعوته قادة كردستان للاصطفاف العسكري مع الدروز. 

وتناغم معه وليد شيخو، المطالب بتقسيم سوريا وتحويلها إلى "دولة مركبة". كما ألقى يهودا بن يوسف، الذي يقدم نفسه رئيسًا للأكراد في إسرائيل، كلمة بالتزامن مع وجود شخصيات كردية على المنصة.

غطاء ديني للتطبيع

ولتوفير غطاء ديني لسياسات الاحتلال، ظهر حسن الشلغومي على شاشة عرض المؤتمر، وهو تونسي معروف بنشاطه مع المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، ويظهر دائمًا باعتباره وجهًا إسلاميًا داخل مشهد التطبيع. حيث زار إسرائيل مع شخصيات مسلمة، وزار حائط البراق في ذروة الإبادة في غزة، والتقى رئيس الاحتلال إسحاق هرتسوغ (Isaac Herzog). وفي لقاء مع الوزير الإسرائيلي موشيه أربيل (Moshe Arbel)، حاول الشلغومي تقبيل يده، في مشهد أثار استنكارًا واسعًا واتهامات بأنه لا يمثل المسلمين.

مشاركة أمنية واستخباراتية

وإلى جانب الوجوه التي أريد تقديمها كممثلة عن الأقليات، حضر المؤتمرَ شخصيات أمنية إسرائيلية. فقد ألقى تسفي يحزقيلي (Zvi Yehezkeli) -ضابط الشاباك السابق والمستوطن في الضفة الغربية المحتلة- كلمة بعنوان "الإسلام والأقليات"، والذي يعد محرضًا بارزًا على قتل الصحفيين في غزة، وقصف سوريا.

كما شارك المستشرق، مردخاي كيدار (Mordechai Kedar) -الذي خدم لمدة 25 عامًا في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية- بكلمة عنوانها "الإمارات السورية المتحدة". ويمثل هذا العنوان امتدادًا عملياتيًا لمشروعه القديم "حل الدول الثماني" القائم على تفكيك الدول العربية الكبرى وإحلال كيانات قبلية وهياكل أمنية معزولة مكانها.  

كذلك يعد كيدار من الداعمين لجرائم الاحتلال في غزة، ويصف الدولة السورية بـ"داعش"، ويدافع عن التدخل الإسرائيلي تحت عنوان حماية الدروز.

إكس
تغريدة لكيدار بصورتي قبل وبعد عن الوضع في غزة

وبهذا يتّضح أن معجم حقوق الأقليات في المؤتمر يلتفّ بالأساس حول تصور أمني وفكري قديم يقوم على تفكيك المنطقة إلى كيانات أصغر.

الخلاصة

سعى المؤتمر إلى إبراز الحضور الموالين لإسرائيل باعتبارهم ممثلين عن طوائفهم، في حين أن ما تتبّعه الفريق من سجلات هؤلاء المتحدثين، لا تثبت أنهم يمثلون الطوائف التي يتحدثون باسمها. كما تبيّن أن القاسم المشترك بينهم جميعًا الاصطفاف التام مع الرواية الإسرائيلية.
وبهذا يتحول مؤتمر الأقليات من فعالية حقوقية مزعومة إلى محاولةٍ لتقديم الكيان المحتل كدولة مسالمة تتّسع لكل الطوائف وتحمي الأقليات، وذلك عبر شخصيات عربية تُستخدم كواجهة للمشاريع الإسرائيلية في المنطقة.