من رجل إسرائيل الجديد في "أرض الصومال"؟
بعد أربعة أشهر من الجدل الذي أعقب اعترافه رسميًا بإقليم "أرض الصومال"، يعلن الاحتلال الإسرائيلي، منتصف أبريل/ نيسان 2026، تعيين سفيرًا له لدى الإقليم الانفصالي غير المعترف به دوليًا، في خطوة اعتبرها الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، "أخطر اعتداء على السيادة الوطنية".
وهو ما يطرح سؤالًا حول شخصية ذاك الرجل الذي اختارته إسرائيل ليمثلها في الإقليم الحيوي المحاط بالصراعات. فمن هو ميخائيل لوتيم؟ للإجابة عن هذا السؤال، تتبع فريق "إيكاد" محطات العمل السابقة للسفير الإسرائيلي الجديد، الممتدة من إفريقيا إلى القوقاز وآسيا الوسطى.
ومن خلال تتبع مساره المهني ونشاطه ونطاق عمله، بدا لنا أن أدواره تتجاوز العمل الدبلوماسي، لتتقاطع مع مهام أمنية واستخباراتية، ما يعزز فرضية أن مهمته تتجاوز الإطار الدبلوماسي.
عراب الصفقات الإسرائيلية في القوقاز وإفريقيا
بدأ ميخائيل لوتيم مسيرته الدبلوماسية من إفريقيا عام 1993 في سوازيلاند (إسواتيني حاليا). ثم تنقل بعدها بين مسالك وزارة الخارجية الإسرائيلية، في آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية، قبل أن يعود إلى إفريقيا.
وبعد سنوات من العمل الميداني، ابتُعث سفيرًا لدى كازاخستان في الفترة من 2004 إلى 2006، كما أنه اضطلع بمهام إقليمية شملت قيرغيزستان خلال تلك الحقبة، ثم انتقل كسفير في أذربيجان بين عامي 2009 و2012.
وفي الفترة بين 2012 و2014، عُين كمبعوث خاص لوزارة الخارجية الإسرائيلية لشؤون الطاقة، وهو ما جعله مشاركًا في تطوير سياسات الطاقة، ومساهمًا في خلق فرص جديدة لشركات الطاقة الإسرائيلية.
توجه بعد ذلك إلى روسيا كقنصل عام في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2014، ليتولى بعدها بثلاث سنوات، ولمدة استمرت نحو أربعة أعوام، إدارة الدائرة الاقتصادية لآسيا ورابطة الدول المستقلة، ويكون بذلك مسؤولًا عن تطوير العلاقات التجارية مع دول المنطقة عبر إبرام الاتفاقيات الثنائية وأبحاث السوق.
وفي عام 2021، بدأ لوتيم مهامه كسفير لدى كينيا، مع توليه في الوقت نفسه تمثيل بلاده دبلوماسيًا لدى أوغندا وتنزانيا ومالاوي وسيشل بصفة سفير غير مقيم، وذلك خلال جولة دبلوماسية امتدت لنحو ثلاث سنوات وانتهت في أغسطس/ آب 2025. بعدها تقلد منصب السفير الاقتصادي المتنقل لإفريقيا، قبل أن تعلن إسرائيل في أبريل/ نيسان 2026، تعيينه أول سفير غير مقيم لدى أرض الصومال.
"دبلوماسية المياه".. قوة ناعمة لاختراق القارة السمراء
كما يظهر تتبعنا نمطًا متكررًا في نشاط لوتيم داخل إفريقيا، يعتمد على توظيف تكنولوجيا المياه كمدخل لتوسيع النفوذ الاقتصادي لإسرائيل.
فخلال فترة عمله سفيرًا في كينيا، تعهد بربط شركة طاقة إسرائيلية بإحدى محطات معالجة المياه في مقاطعة "ترانس نزويا"، وذلك خلال زيارته لمحطة "نزويا" التابعة لشركة "ترانسواسكو" في أغسطس/ آب 2024. مؤكدًا أن "إسرائيل معروفة بتقدمها في إدارة المياه والطاقة الخضراء"، وأنهم "حريصون على مشاركة هذه التقنيات" مع الإقليم الانفصالي.
وبالفعل، انتقل هذا النموذج إلى "أرض الصومال" بعد الاعتراف الإسرائيلي بها، حيث استضافت إسرائيل، في فبرير/ شباط 2026، نحو 25 خبيرًا مائيًا من الإقليم، بينهم آدن عبد الله عبدلي، المدير العام لوزارة تنمية الموارد المائية، ضمن برنامج نظمته وكالة "ماشاف" (MASHAV)، وشمل التدريب على تحلية المياه وإعادة التدوير وأنظمة كشف التسرب.
وكان من اللافت أن البرنامج استمر ثلاثة أسابيع دون انقطاع بالتزامن مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ما يشير إلى أن إسرائيل تتعامل مع ملف المياه كأداة استراتيجية لا تتأثر حتى بالحروب النشطة.
دبلوماسي بمهام استخباراتية
وخلال فترة ابتعاثه سفيرًا في كينيا بين عامي 2021 و2025، رصدنا عمله على بناء شبكة تنسيق أمني اقتصادي تتجاوز البروتوكول، إذ التقى، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، وزير الدفاع الكيني، واتفق معه على التعاون في إدارة الكوارث والصناعات الدفاعية ومكافحة الإرهاب والأمن السيبراني.
وذلك قبل أن تتسع الشراكة، في أبريل/ نيسان 2023، لتشمل صراحة جمع المعلومات الاستخباراتية وأنظمة أمن الحدود وتطوير الأسلحة ونقل التكنولوجيا، وهو مستوى غير مألوف من الوضوح في بيانات رسمية كينية ويعكس عمق التنسيق.
وعلى خط مواز، تظهر تجربة أذربيجان خلال عمله سفيرًا في باكو نمطًا مماثلًا، إذ أشرف على فترة شهدت بناء مصنع طائرات مسيرة إسرائيلية متقدمة على الأراضي الأذرية وتبادلًا استخباراتيًا مستمرًا.
فيما أعلنت وزارة الأمن الأذرية، في يناير/ كانون الثاني 2012، إحباط مخطط اغتيال استهدفه شخصيًا مقابل 150 ألف دولار من جهات وصفتها باكو بأنها مرتبطة بالاستخبارات الإيرانية، وهو ما نفته طهران واعتبرته "مسرحية أمريكية–إسرائيلية".
لوتيم.. بوابة إسرائيل إلى القرن الإفريقي
كشف لنا تتبع مسيرة لوتيم تقاطعه مع ملفات أمنية واستخباراتية واقتصادية في أكثر من ساحة، فهو لا يعمل كدبلوماسي تقليدي، بل كمهندس بناء نفوذ متكامل، حيث يتجاوز مهام التمثيل الدبلوماسي العادي ليدير ملفات حساسة تعيد تشكيل موازين التعاون الأمني في البيئات التي عمل بها.
وقد تمنحنا هذه الخلفية المهنية تفسيرًا لسبب اختيار لوتيم كأول ممثل لإسرائيل في إقليم يتمتع بموارد نادرة، وموقع جغرافي شديد الحساسية. حيث يمتلك إقليم "أرض الصومال" احتياطيات كبيرة من معادن حرجة مثل الليثيوم والكولتان.
ومن المهم في هذا السياق الإشارة إلى تصريح رئيس إقليم أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله عرو، بأن بلاده غنية بالموارد التي تحتاجها إسرائيل، متوقعًا وصول بلاده إلى اتفاق تجاري مع تل أبيب.
وفيما يتعلق بالموقع الجغرافي، يأتي تعيين لوتيم بالتزامن مع سعي إسرائيلي للتموضع على مدخل خليج عدن، في نقطة قريبة من خطوط الملاحة الدولية التي شهدت خلال الفترة الأخيرة تصاعدًا في التهديدات المرتبطة بهجمات الحوثيين، ما يجعل الإقليم جزءًا من معادلة أمن البحر الأحمر في الرؤية الأمنية الإسرائيلية.
كما أن التحرك الإسرائيلي لا يقتصر على البعد السياسي، إذ يمتد إلى بناء شراكات اقتصادية وأمنية مستندة إلى موقع الإقليم وموانئه المطلة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بما يتيح تعزيز حضورها قرب طرق تجارة الطاقة والسلع.