قاعدة البيانات
مقال

موالون لإسرائيل.. "إيكاد" تكشف شبكة من مقاتلي السويداء

14/11/2024

فوق مدرعة عسكرية في السويداء، وقف مقاتل سوري يدعى "ميلاد جودة" وبيده اليمنى علَما الدروز والاحتلال الإسرائيلي جنبًا إلى جنب، وبيده الأخرى يرفع إشارة النصر. 

تزامن هذا المشهد -الذي نشره جودة بنفسه على حسابه في فيسبوك- مع جولات من المواجهات المسلحة بين ميليشيات محلية وقوات الحكومة السورية.

وعبر تتبع الحسابات الرقمية المرتبطة بالصورة؛ توصل الفريق إلى شبكة مقاتلين عسكريين تنشط في السويداء، وترتبط بروابط ميدانية، ويجمعها خطاب طائفي متشابه، وصولًا إلى ضباط ومجندين في مؤسسات الاحتلال الإسرائيلي السياسية والأمنية والعسكرية، أظهروا دعمًا مباشرًا لعدد منهم.

مرفق 01

التبرؤ من الهوية السورية

قاد التحليل الرقمي لتفاعلات حساب "ميلاد جودة" إلى حساب "غسان المقط"، المنخرط سابقًا فيما يسمى "سرايا الجبل". ووثّقَ تسجيل مرئي ظهر فيه المقطّ خلال إعلان "سرايا الجبل" اندماجها ضمن "قوات شيخ الكرامة" و"قوة مكافحة الإرهاب"، إضافة لولائها المباشر لحكمت الهجري، القائد الديني البارز في السويداء، وقائد مشروع الانفصال. 

كما نشر المقط منشورات تفاخر فيها بمشاركته في القتال ضد القوات الحكومية السورية واختطاف جنودها. غسان تبرّأ في أحد منشوراته أيضًا من الهوية السورية والسوريين، معرّفًا نفسه كمنتسب إلى "دولة جبل الدروز"، وأن لإسرائيل فضلًا على دروز السويداء، مرفقًا ذلك بصورة تجمع راية الطائفة الدرزية بعلم الاحتلال الإسرائيلي.  

دعوة علنية للانضمام لإسرائيل

وبتتبع الحسابات، توصل الفريق إلى حساب "أشرف جمول"، قائد مجموعة "فزعة شباب الجبل" المقربة من الهجري. وأثبت أرشيف حسابه انخراطه في معارك السويداء منذ 12 يوليو/ تموز، وتعرضه لإصابات ميدانية وثّقها بالصور إلى جانب ظهوره أمام آليات عسكرية تابعة للأمن السوري العام استُهدفت واحتُجِزَت خلال المواجهات. 

وكان لافتًا كذلك دعوة جمول صراحة، في أحد منشوراته، لرفع علم الاحتلال في السويداء، وتأكيده أن حل أزمة المحافظة يكمن في ضم السويداء للاحتلال الإسرائيلي، معلنًا استعداده لبذل "الغالي والنفيس" في سبيل ذلك.

الحليف الأقرب

كما توصّل الفريق إلى حساب المقاتل الدرزي "مازن حمدان"، ووثّقت مراجعة أرشيفه الرقمي سياقًا تحالفيًا مع الاحتلال الإسرائيلي قبل اندلاع مواجهات السويداء؛ إذ نشر في 14 يونيو/ حزيران 2025 صورة لرئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، معلقًا عليها بعبارة: "كلنا معك"، وواصفًا الكيان بأنه "الحليف الأقرب". 

ونشر حمدان لقطات لعناصر مسلحة بجوار مركبة تحمل ملصقات تجمع بين راية الدروز والنجمة السداسية الإسرائيلية، متبوعًا بلقطات وثّق فيها مشاركته في المعارك في بلدة عريقة ورفعه العلم الإسرائيلي إلى جانب راية طائفته في ساحة الكرامة، إضافة إلى منشورات أخرى عرّف فيها نفسه بأنه "قاطع طريق". 

مقاتلو "اللواء 164"

ومن تتبع الحسابات السابقة، تمكن الفريق من الوصول إلى حلقة أكثر تماسكًا وتنسيقًا، تبيّن أنها تنشط تحت اسم "اللواء 164"، ويقودها الثلاثي: مضر مقلد (أبو خطار)، وليث الجغامي، ورضا مراد

وظهر مقلد في زيارات متكررة لمقر حكمت الهجري، وبث مقاطع لرصد تحركات القوات الحكومية السورية قرب قرية "المزرعة"، كما وثّق مشاركته في معارك "نجران" و"المجدل"، إلى جانب نشره عدة صور جمعته بالجغامي ومراد وهم يثبّتون شارات علم الاحتلال الإسرائيلي على بدلاتهم العسكرية ومركباتهم المسلحة.  

كما رافق رفع الرموز الإسرائيلية بثّ محتوى طائفي؛ إذ رصد التحقيق نشر مضر مقلد وليث الجغامي مقاطع تحوي عبارات تتوعّد بـ "الانتقام وتركيع بني أمية"، في إشارة إلى الحكومة السورية وعامة السوريين الداعمين لها.

وهو ما يعكس توظيفًا متزايدًا للخطاب المذهبي لخدمة التعبئة المسلحة ومشاريع الانفصال.  

فلول النظام السابق

وفي نفس شبكة التفاعلات التي يرصدها الفريق، برز اسما "باسل معين الشاعر" و"فجر باسل الصحناوي"، اللذين وثقت "إيكاد" في تحقيق سابق أنهما كانا جزءًا من المنظومة العسكرية المرتبطة بنظام الأسد المخلوع التي ارتكبت مجازر بحق السوريين، ولا يزالون يمجّدون رموز النظام المرتكبة لجرائم الحرب أمثال عصام زهر الدين.

الشاعر لم يكن مقاتلًا عاديًا، بل ينتمي لعائلة عُرفت بولائها المطلق للنظام السابق وتورطها في جرائم خطف ومجازر ضد السوريين، وخاصة عشيرة "العميرات" القاطنة في محيط السويداء، عام 2018.

وأبرز ما لفت الانتباه إقرار "باسل" وتفاخره بتلك الجرائم صراحة على حسابه على فيسبوك بعد أحداث السويداء. ففي 24 أغسطس 2025، أقرّ "باسل الشاعر" علنًا عبر فيسبوك قيامه مع والده "مُعين" و شقيقه "رياض" بخطف وقتلِ ثمانية من أبناء العشيرة، ومبديًا ندمه لعدم إبادتها بالكامل.  

وفيما يخص الكيان، بثّ الشاعر مقاطع لسيارات تجوب شوارع السويداء ترفع أعلام الاحتلال تحت شعار "أرض إسرائيل الكبرى"، موجهًا الشكر للكيان على دعمه، كما نشر لقطات تُظهره بجوار دبابة مدمرة تابعة للحكومة السورية، إضافة إلى ظهوره حاملًا قاذف "آر بي جي" بيد وعلم الاحتلال باليد الأخرى وسط مواقع عسكرية محصنة.

الشاعر تبنى أيضًا خطابًا تحريضيًا مناطقيًا ضد السوريين، حيث شتم في منشور له أهالي درعا، كما أظهر شماتة بانتهاكات وجرائم النظام في حقهم. 

الارتباط  بعناصر أمنية وعسكرية إسرائيلية

مثّل حساب دانيال حسون -الذي ظهر سابقًا خلال معارك السويداء وسط جثث مجهولة الهوية- المدخل الأبرز لكشف الارتباط الرقمي بجنود الاحتلال. فمن خلال تفكيك شبكة تفاعلاته، وصل الفريق إلى حسابات انستغرام وفيسبوك لـ "ديفيد حسون"، المجند الحالي ضمن كتيبة الاستطلاع في جيش الاحتلال الإسرائيلي. 

ووثّق رصدُ التعليقات تفاعلَ دانيال مع حساب انستغرام التابع لـ "ديفيد" عبر تعليقه على صورته بـ "ابن العم، خالع باب بني أمية"؛ ليكون هذا التفاعل دليلًا رقميًا يعزز أدلة سابقة لارتباط بعض مقاتلي الداخل السوري بمنتسبي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

ومن خلال شبكة علاقات ديفيد حسون، وصلنا إلى "علي عطيلة"، أحد دروز إسرائيل، الذي يثبت محتوى حسابه عمله في شرطة الحدود الإسرائيلية. أعاد عطيلة نشر صور ومحتوى عملياتي يعود لعدد من المقاتلين الذين رصدناهم خلال التحقيق، من بينهم أشرف جمول ومضر مقلد، خلال تمثيلهم بجثامين قوات الحكومة السورية.  

كما كشف أرشيف حسابه انخراطه في عمليات الاحتلال الإسرائيلي في "مجدل شمس" على الحدود السورية، تزامنًا مع التحركات التي شهدتها المنطقة عندما حاول عدد من دروز إسرائيل اقتحام الحدود والعبور باتجاه الأراضي السورية.

وأثارت صور أخرى نشرها على حسابه الشكوك حول مشاركته في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

وتقاطعت هذه الصلات مع حساب "أنان خير"، الدرزي الإسرائيلي المنخرط في سلك الشرطة الإسرائيلية، والذي أعلن صراحة استعداد دروز الكيان للقتال الميداني إلى جانب ميليشيات السويداء، وتبنّى خطابًا معاديًا للحكومة السورية وداعمًا لحكمت الهجري.

وإلى جانب ما سبق، كشفت مراجعة التفاعلات الرقمية لغسان المقط عن تفاعله مع المدعو "معضاد خير"، أحد دروز السويداء، الذي عمل في وقت سابق كمستشار تقني لوزير الاتصالات الإسرائيلي السابق "أيوب كرا".

رُصد هذا التفاعل عندما نشر معضاد صورة مقاتلين من السويداء بينهم غسان المقط، حيث تبادل معضاد والمقط عبارات دعم متبادلة، عكست احتمالية وجود معرفة مسبقة بينهما.  

هذه القرائن والصلات تعزز من فرضية ارتباط الوجوه المسلحة المحلية المشاركة في معارك السويداء بشبكات سياسية وعسكرية تابعة للاحتلال، وهو ما رصدته "إيكاد" في تحقيقات سابقة. كما يبرهن على وجود تعزيز وتأييد رقمي علني من عناصر عسكرية وأمنية تابعة للاحتلال الإسرائيلي، ويعزز حقيقة وجود شبكة دعم إسرائيلية رقمية تعمل لتضخيم سردية دعوات الانفصال في جنوب سوريا. 

مرفق 24

الخلاصة

كانت البداية من مشهد مقاتل من ميليشيات السويداء الدرزية يرفع علم الاحتلال الإسرائيلي إلى جانب راية الدروز خلال معارك السويداء، لكن التحقيق اللاحق برهن على أن ظهور هذا العلم لم يكن حدثًا معزولًا أو تصرفًا فرديًا عابرًا.

إذ تكشف الخيوط عن شبكة تربط -رقميًا على الأقل- بين مقاتلي الميليشيات المحلية الدرزية من جهة، وقيادات سياسية وعناصر عسكرية وأمنية داخل الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى.