قاعدة البيانات
مقال

هل تُفبرك "ناسا" صور الفضاء؟

22/7/2026

كلما نشرت وكالة فضاء صورة جديدة لسديم متوهج، أو مجرة بعيدة، أو كوكب الأرض معلقًا في ظلمة الفضاء، يعود السؤال نفسه للظهور: هل هذه صور حقيقية أم فوتوشوب؟ وقد زادت حدة هذا الجدل مع الصور الأولى لتلسكوب "جيمس ويب" الفضائي، حين رأى كثيرون ألوانًا مدهشة وتفاصيل غير مألوف. 

مرفق 01 صورة من تلسكوب "جيمس ويب" لضوء الأشعة تحت الحمراء المنبعث من النجوم الأولية الساطعة في النظام النجمي الفتي "FS Tau" ، وتشير الألوان المختلفة للمجرات الخلفية إلى كمية الغبار الموجودة أمامها، حيث يمتص الغبار الضوء ويشتته (NASA)

تساءل كثيرون: هل خضعت هذه الصور للمعالجة؟ وكانت إجابة المجتمع العلمي: نعم، عولجت هذه الصور قبل نشرها. ومن هنا بدأ الخلط البسيط والخطير في الوقت ذاته؛ ظنوا أن الاعتراف العلمي بمعالجة الصور يعني بالضرورة أنها مزيفة، رغم أن الأمرين مختلفين تمامًا.

مرفق 02

الفارق بين الأمرين يشبه الفارق بين ترجمة نص بلغة لا تعرفها، وبين اختلاف نص من العدم. التلسكوبات لا تعمل مثل عين الإنسان، ولا تلتقط الكون بالطريقة نفسها التي تلتقط بها كاميرا الهاتف صورة عائلية. إنها تجمع بيانات علمية عبر مرشحات وأطوال موجية متعددة، بعضها لا يستطيع الإنسان رؤيته أصلا، ثم يحولها العلماء إلى صورة مفهومة للعين البشرية.

وقبل أن نتحدث عن الصور نفسها، يجب الانتباه إلى نقطة كثيرًا ما تغيب عن خطاب المؤامرة، وهي أن الفضاء لم يعد حكرًا على "ناسا".

فتلسكوب "جيمس ويب" نفسه مشروع دولي تتشارك فيه وكالة "ناسا" مع وكالتي الفضاء الأوروبية والكندية.
وتلسكوب "هابل" مشروع مشترك بين "ناسا" ووكالة الفضاء الأوروبية.
كما أن بيانات التلسكوبات الكبرى تُستخدم يوميًا في جامعات ومراكز بحثية حول العالم.

لذلك، فإن اتهام "ناسا" وحدها بتزييف صور الكون يتجاهل شبكة واسعة من المؤسسات والعلماء والمهندسين والمراصد والأرشيفات المفتوحة التي تتعامل مع البيانات نفسها.

لفهم المسألة من جذورها، لنبدأ بسؤال بسيط: ما الذي تراه عيناك الآن؟

إذا نظرت إلى مصباح أصفر في سقف الغرفة، فإن اللون الذي تدركه ليس سوى جزء ضئيل من عالم أوسع بكثير يسمى الطيف الكهرومغناطيسي. عين الإنسان لا ترى إلا نطاقًا محدودًا جدًا من هذا الطيف، هو الضوء المرئي. أما الأشعة تحت الحمراء، وفوق البنفسجية، والأشعة السينية، وموجات الراديو، وأشعة غاما، فهي كلها "ضوء" بمعنى فيزيائي واسع، لكنها تقع خارج قدرة العين البشرية المباشرة.

تحتوي شبكية الإنسان على خلايا مخروطية تساعدنا على إدراك اللون، وخلايا عصوية تساعدنا على الرؤية في الإضاءة الضعيفة. المخاريط تمنحنا رؤية الألوان، لكنها تحتاج إلى كمية كافية من الضوء. أما العصيات فهي شديدة الحساسية للضوء الخافت، لكنها لا تمنحنا ألوانًا غنية. لهذا السبب تبدو معظم الأجرام الخافتة في التلسكوبات الصغيرة بيضاء أو رمادية للعين، حتى لو كانت صورها الفلكية المنشورة مليئة بالأزرق والأحمر والذهبي. المشكلة ليست أن الصور مخترعة، بل أن العين البشرية أضعف من أن تجمع ما يكفي من الضوء واللون في لحظة واحدة.

مرفق 03

هنا تدخل التلسكوبات والكاميرات العلمية. فبدلًا من الاعتماد على لحظة بصرية قصيرة، يمكن للكاميرا الفلكية أن تجمع الضوء دقائق أو ساعات، بل أحيانًا على عدة ليال. وكلما طال زمن التعريض، زادت كمية الضوء المجموعة، وظهرت تفاصيل لا تستطيع العين رؤيتها مباشرة. 

مرفق 04

هذا هو المبدأ نفسه الذي يستخدمه هواة التصوير الفلكي حول العالم حين يوجهون كاميراتهم إلى سديم "الجبار" أو مجرة "أندروميدا"، ثم يجمعون لقطات طويلة ليكشفوا ألوانًا وبنى لا تظهر عند النظر المباشر من خلال العدسة.

مرفق 05 صورة ملتقطة عبر تلسكوب "هابل" لسديم "الجبار"، يقع على بُعد 1300 سنة ضوئية، وهو أقرب منطقة لتكوّن النجوم إلى الأرض (NASA)

أما تلسكوب "جيمس ويب" فيضيف طبقة أخرى من التعقيد والجمال. فهو مصمم أساسًا لرصد الكون في نطاق الأشعة تحت الحمراء، أي في ضوء لا تراه أعيننا. وهذا ليس اختيارًا جماليًا، بل ضرورة علمية. الأشعة تحت الحمراء تساعد العلماء على اختراق الغبار الكوني الذي يحجب الضوء المرئي، ورؤية مناطق تولد النجوم داخل السدم، ورصد المجرات البعيدة التي تمدد ضوؤها مع توسع الكون حتى انتقل جزء كبير منه إلى نطاق الأشعة تحت الحمراء.

مرفق 06

لذلك عندما ترى صورة من "جيمس ويب" بألوان زاهية، فالألوان ليست الألوان التي ستراها بعينك لو كنت هناك، لكنها أيضًا ليست ألوانًا عشوائية. ما يفعله العلماء هو إسناد ألوان مرئية لأطوال موجية غير مرئية. عادة ما تُعطى الأطوال الموجية الأقصر ألوانًا أقرب إلى الأزرق، والأطوال الموجية الأطول ألوانًا أقرب إلى الأحمر. بهذه الطريقة تتحول البيانات تحت الحمراء إلى صورة يستطيع الإنسان قراءتها، مع الحفاظ على علاقة منظمة بين اللون والمعلومة العلمية.

خذ مثالًا شهيرًا، منطقة "المنحدرات الكونية" في سديم القاعدة، وهي من أوائل صور "جيمس ويب" التي انتشرت عالميًا. 

مرفق 07 صورة التقطها تيليسكوب "جيمس ويب" لمنطقة "المنحدرات الكونية" في سديم القاعدة (NASA)

لا تكمن قيمة الصورة في جمالها وحده، بل في أنها تكشف منطقة عنيفة من تشكل النجوم، حيث تنحت الأشعة والرياح النجمية الغاز والغبار، وتظهر نجوم كانت محجوبة جزئيًا في صور الضوء المرئي.

اختلاف الصورة بين مرشح وآخر، أو بين أداة وأخرى مثل "نيركام" و"ميري"، لا يعني أن هناك نسخًا متناقضة من الواقع، بل يعني أن كل أداة ترى طبقة مختلفة من المشهد الكوني. كما أن الطبيب قد يستخدم الأشعة السينية لرؤية العظام، والرنين المغناطيسي لرؤية الأنسجة، فإن الفلكي يستخدم أطوالًا موجية مختلفة لرؤية طبقات مختلفة من الكون.

مرفق 08

ومن هنا تأتي العبارة التي يساء فهمها كثيرًا، وهي "الصورة معالجة". في العلم، معالجة الصورة لا تعني فبركتها. المعالجة قد تشمل إزالة التشويش الناتج عن المستشعر، وتصحيح العيوب البصرية، ودمج عدة تعريضات، وموازنة السطوع، وتوسيع التباين حتى تظهر البنى الخافتة بجوار البنى الساطعة، ثم تلوين البيانات وفق قواعد محددة. من دون هذه الخطوات ستظهر كثير من الصور العلمية كملفات رمادية باهتة أو غير مفهومة لغير المختصين، رغم أنها تحتوي على بيانات هائلة.

الأمر أشبه بسماع لحن موسيقي مسجل بترددات لا تستطيع أذنك التقاطها، ثم تحويله إلى نطاق مسموع. هل صار اللحن مزيفًا؟ لا. لقد أصبح قابلًا للإدراك البشري. هكذا تعمل صور الفضاء في كثير من الأحيان: إنها ترجمة بصرية لواقع لا تراه العين مباشرة.

ولا يقتصر الأمر على الصور الملونة. فالعلماء لا يعتمدون على جمال الصورة لإثبات وجود مجرة أو حساب بعدها. 

في حالة المجرات البعيدة، لا تكفي درجة "الاحمرار" في الصورة العامة وحدها للحكم على المسافة. القياسات الدقيقة تأتي من تحليل الضوء نفسه، إما بالمطياف الذي يوزع الضوء إلى مكوناته، أو بمقارنة ظهور الجرم واختفائه عبر مرشحات مختلفة. عندما يتمدد الكون، يتمدد معه الضوء القادم من المجرات البعيدة، فتتحرك علاماته الطيفية نحو أطوال موجية أطول؛ وهذا ما يسمى الانزياح الأحمر. من هنا يستطيع العلماء تقدير المسافات والزمن الكوني، لا من انطباع بصري سريع على شاشة الهاتف.

لهذا السبب تبدو الصور الفلكية مزيجًا نادرًا من الفن والعلم. هي جميلة، نعم، لكنها ليست مجرد ملصقات دعائية. اللون فيها قد يشير إلى طول موجي، أو عنصر كيميائي، أو درجة حرارة، أو غبار ساخن، أو مناطق تشكل نجوم. في بعض صور السدم، قد يرمز الأحمر إلى الهيدروجين، والأزرق أو الأخضر إلى عناصر أو حالات تأين أخرى، وفي صور أخرى قد يرمز اللون ببساطة إلى مرشح معين. المهم أن لكل صورة مفتاحًا علميًا يشرح كيف صُنعت، وما الذي يمثله اللون فيها.

ويبقى السؤال: ماذا لو اشترى شخص تلسكوبًا ووجّهه إلى السماء؟ هل سيرى ما تراه صور "هابل" و"جيمس ويب"؟

الإجابة: سيرى الأجرام نفسها، لكن ليس بالطريقة نفسها. يمكن للتلسكوب المنزلي أن يكشف القمر والكواكب وبعض السدم والتجمعات النجمية والمجرات القريبة، لكن العين ستراها غالبًا باهتة وقليلة اللون. أما الكاميرا الفلكية، إذا أضيفت إلى التلسكوب وجمعت الضوء لفترات طويلة، فستبدأ في إظهار ألوان وتفاصيل أقرب إلى الصور المنشورة، خاصة في نطاق الضوء المرئي. لذلك، فإن التصوير الفلكي للهواة يمثل شاهدًا مهمًا: ملايين الأشخاص خارج "ناسا" يستطيعون تصوير القمر والكواكب والسدم والمجرات، وتأتي نتائجهم متوافقة في البنية والموقع مع صور المراصد الكبرى، وإن كانت أقل دقة وعمقًا.

كيف تٌرى الأرض من السماء؟
للأرض قصة مشابهة. فليست كل
صور الأرض الملتقطة من الفضاء
نوعًا واحدًا.
صورة ليلية للأرض التقطها أحد أفراد طاقم مهمة "أرتميس 2"
فهناك صور فوتوغرافية مباشرة
يلتقطها رواد الفضاء من
محطة الفضاء الدولية
صور وكالة الفضاء الدولية (ناسا)
 وهناك صور يومية من كاميرات
فضائية تُعرض بألوان حقيقية
طبيعية
صور وكالة الفضاء الدولية (ناسا)
وأخرى بـ "ألوان كاذبة" لأهداف
علمية؛ مثل رصد متوسط
تركيز أول أكسيد الكربون
في الهواء
صور وكالة الفضاء الدولية (ناسا)
أو رصد متوسط إجمالي بخار الماء
القابل للتكثيف في الهواء
صور وكالة الفضاء الدولية (ناسا)
أو رصد مستوى هطول الأمطار
صور وكالة الفضاء الدولية (ناسا)
أو تتبع خريطة تخزين المياه

تسمية "ألوان كاذبة" هنا لا تعني أن الصورة كاذبة، بل تعني أن اللون لا يطابق ما تراه العين البشرية، وإنما يمثل معلومة غير مرئية. في صور الأرض مثلًا، قد تُعرض الأشعة تحت الحمراء القريبة بلون أحمر لإظهار صحة النباتات، أو تعرض نطاقات أخرى لكشف آثار حرائق أو فيضانات أو عواصف ترابية. هذه ليست خدعة بصرية، بل أداة علمية في الأرصاد الجوية والزراعة والمناخ وإدارة الكوارث.

ومع ذلك، توجد أيضًا صور طبيعية اللون للأرض، وصور التقطها رواد الفضاء مباشرة من المدار، وصور يومية تُظهر كوكبنا من مسافات بعيدة. بعضها قد يكون مركبًا من عدة لقطات أو عدة أيام للحصول على خريطة عالمية خالية من السحب، وهذا يُشرح عادة في وصف الصورة. المركّب العلمي ليس تزويرًا، كما أن الخريطة ليست كذبة لأنها تجمع معلومات من أكثر من قياس.

إذن، هل تعدّل وكالات الفضاء الصور؟ نعم. هل يعني هذا أنها تفبرك الكون أو تخدع الجمهور؟ لا. التعديل هنا جزء من تحويل البيانات الخام إلى صورة مفهومة، تمامًا كما يحول جهاز الأشعة السينية بيانات غير مرئية إلى صورة يستطيع الطبيب قراءتها. ما نراه في صور الفضاء هو أجرام حقيقية: سدم، نجوم، مجرات، غبار، غاز، كواكب، وأرض كروية تدور في الفضاء. قد لا تكون الألوان دائمًا كما تراها العين البشرية، لكنها ليست أكذوبة؛ إنها طريقة علمية لجعل غير المرئي مرئيًا.

في النهاية، ربما لا تكمن أزمة صور "ناسا" في الصور نفسها، بل في توقعاتنا نحن عن معنى "الصورة الحقيقية". ففي عصر الهاتف المحمول، نظن أن الحقيقة يجب أن تأتي كما تلتقطها الكاميرا في لحظة واحدة. لكن الكون أوسع من عين الإنسان، وأعمق من حساس الهاتف، وأكثر ثراءً من الضوء المرئي. لذلك احتاج العلم إلى التلسكوبات، والمرشحات، والمطياف، والمعالجة الرقمية. لا لكي يخترع لنا كونًا جديدًا، بل لكي يكشف لنا الكون الموجود فعلًا، لكنه كان أكبر من قدرتنا على الرؤية.