سفن مرتبطة بنظام الأسد في قلب أسطول الظل الإيراني من هرمز إلى بحر الصين
بينما كانت طهران تلوح بورقة العبور المشروط في مضيق هرمز، رصد فريق “إيكاد”، في 22 مارس/ آذار 2026، حركة مريبة لسفينتين، كسرتا نمط الملاحة التقليدي للممر المائي الأكثر اشتعالاً. فعلى غير المعهود، لم نجدهما مرتبطتين باليونان أو الصين أو حتى الهند، وهي الدول ذات السفن الأكثر مرورًا عبر المضيق، بل تبين أنهما مملوكتان لعائلة ارتبطت لسنوات بنظام الأسد.
اتخذ التقصي منحنى أعمق حين رصدنا عمل هذه السفن ضمن ما يبدو أنه مسار لأسطول الظل الإيراني. ولفهم الصورة الأكبر، تتبعنا في هذا التحقيق مسارات تلك الناقلات، وفككنا هيكل الشركات التي تتستر خلفها.
سفينة “UMA”
في 31 مارس/ آذار 2026، رصد فريق “إيكاد”، عبر موقع “MarineTraffic” المتخصص بالملاحة البحرية، عبور سفينة “UMA” -التي ترفع علم “غيانا”- لمضيق هرمز قادمة من بحر العرب.
وبالتدقيق في تاريخ بيانات السفينة ذات الرقم التسلسلي “9258870”، رصدنا أنها بدلت أسماءها وتبعيتها عدة مرات خلال الفترة ما بين 2017-2025، في خطوة تعرف باسم “القفز بين الأعلام” “Flag Hopping“؛ والتي تهدف إلى التخفي خلف دول متساهلة قانونيًا، بغية التهرب من الضرائب واللوائح الصارمة في بلدان الملاك الأصليين. كما أن هذا التبديل السريع والمتكرر قد يشير إلى استخدامه ستارًا للالتفاف على العقوبات الدولية، وتسهيل نقل الشحنات المحظورة دون تفتيش.
وبعد البحث عن بيانات السفينة، وجدناها مسجلة في سوريا باسم شركة “القاطرجي” منذ يناير/ كانون الثاني 2024، كما وجدنا أسطولًا بحريًا تابعًا لها مكونًا من 13 سفينة.
ومن خلال تتبع حركة الأسطول في الفترة ما بين 2023 إلى 2025، لاحظنا نسقًا مطّردًا، فقبل سقوط نظام الأسد، في ديسمبر/ كانون الأول 2024، كانت الحركة مطردة بين موانئ سوريا وإيران والصين، لكنها انقطعت عن سوريا بعد ذلك، واستمرت في العمل على مسار إيران-بحر الصين الجنوبي.
سفينة “TIYARA”
وحسب البيانات الملاحية، عبرت السفينة الثانية “TIYARA” مضيق هرمز تحت علم “نيكارغوا” في 27 مارس/ آذار 2026. وعلى غرار سابقتها، غيرت السفينة، ذات الرقم التسلسلي “9231224”، علمها عدة مرات، في الفترة ما بين 2002 و2025، ما يرجح احتمالية ضلوعها في أنشطة مشبوهة.
وتوصل الفريق إلى أن السفينة مسجلة باسم شركة EMERALD MARINE LTD”، دون وجود أي معلومات حول مكان التسجيل. في حين تبين أن ملكية الشركة تعود لرجل الأعمال السوري “لؤي الملاح”.
كما وجد فريقنا أن “الملاح” يملك عددًا من الأصول البحرية:
-
“NOVA” ذات الرقم التسلسلي: “9141259”
-
“RIVAL” ذات الرقم التسلسلي: “9117818”
-
“TIYARA” ذات الرقم التسلسلي: “9231224”
حاولنا كذلك تتبع حركة أسطول الملاح قبل سقوط نظام الأسد وبعده، إلا أننا لم نتمكن من الوصول لأي بيانات، وذلك بسبب إيقاف السفن إرسال “إشارات نظام التعريف التلقائي” (AIS)، لإخفاء مسارها عن الرقابة الدولية وتجاوز العقوبات. وكان الاستثناء من نصيب السفينة “TIYARA”، التي رصدنا حركتها المستمرة، خلال عام 2025، على ذات الخط الذي تسلكه سفن “القاطرجي” بين إيران والصين.
ورغم أن هذه التحركات قد تبدو طبيعية، إلا أن رصدنا لتقاطع تحركات سفينتي “UMA” و”TIYARA” مع تحركات سفن وأساطيل أخرى كشف عن شبكة أوسع، وهو ما قادنا لتتبع ما يعرف بـ”أسطول الظل الإيراني”.
أسطول الظل الإيراني
من خلال تتبعنا لعشرات السفن الإيرانية المدرجة على قوائم العقوبات، ومراجعة بياناتها الملاحية خلال عام كامل سابق على أبريل/ نيسان 2026؛ رصدنا مسارًا محددًا تسلكه، يبدأ من إيران وينتهي بها في بحر الصين الجنوبي قبالة ماليزيا.
وبالمقارنة بين أنماط الملاحة للأسطول الإيراني وبعض سفن أسطول الظل الصيني، وجدنا تقاطعًا بينها في ذات المكان، إذ يبدأ مسارها من موانئ الصين، وينتهي في بحر الصين الجنوبي قبالة السواحل الماليزية. وهو ما يرجح قيام الأسطولين بعمليات نقل للنفط من سفينة إلى سفينة “Ship‑to‑Ship Transfer”.
قارنّا كذلك حركة أسطول الظل الإيراني، مع تحركات سفن “قاطرجي” و”الملاح”، ما رجح لدينا أنهما يعملان على ذات المسار ضمن أجندة الأسطول الإيراني، حيث يبدأ مسار كل منهما من إيران وينتهي في بحر الصين الجنوبي، في تطابق شبه تام. لكن يبدو أن ما يثير الشبهات يتجاوز نمط التحركات الملاحية، إذ ورد ذكر هذه الشركات ومشغليها في تقارير دولية عدة.
“UMA” على قوائم العقوبات
تُعد سفينة “UMA” (المعروفة سابقًا باسم “LELIA”) ركيزة في هذه الشبكة؛ إذ أُدرجت على قائمة “OFAC” للإرهابيين العالميين (SDGT) في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، مع تحذير بفرض “عقوبات ثانوية” على أي جهة تتعامل معها. ويرتبط نشاطها مباشرة بـ”شركة القاطرجي” التي تخضع للعقوبات الأمريكية منذ عام 2018 لتسهيلها تجارة الوقود مع تنظيم “داعش”، قبل أن يعاد تصنيفها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 بتهمة دعمها المالي لفيلق القدس الإيراني.
أما مديرها، حسام بن أحمد رشدي القاطرجي، فقد أُدرج في قوائم العقوبات لأول مرة في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، لدوره في تجارة النفط والقمح بين نظام الأسد وداعش. ثم أُعيد تصنيفه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 لقيادته شركة “القاطرجي”.
كما أُدرج مؤسسها، محمد القاطرجي، على قوائم العقوبات منذ عام 2018 لارتباطه بصفقات نفطية مع تنظيم “داعش”، واستمر في نشاطه حتى مقتله بغارة إسرائيلية في يوليو/ تموز 2024. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني من نفس العام، فُرضت عقوبات جديدة شملت ابنه عباس قاطرجي ذا الـ 18 عامًا، لدوره في إدارة أعمال والده.
كذلك، فقد طالت العقوبات محمد آغا أحمد رشدي قاطرجي، المقيم في الإمارات، لدوره في إدارة محفظة النفط التابعة للمجموعة بالتعاون مع حسام قاطرجي. وإضافة إلى ما سبق، أُدرجت شركتا “أرفاد البترولية” السورية و”ساليزار” اللبنانية على قوائم عقوبات “قانون قيصر” في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، لدورهما في دعم النظام ماليًا وتقنيًا؛ إذ تسيطر عائلة “القاطرجي” على “أرفادا” التي تستحوذ مع “ساليزار” على نسبة 85% من حصة مشاريع بناء مصفاتي “الرصافة” و”الساحل” بالشراكة مع وزارة النفط السورية في عهد الأسد.
سفينة “TIYARA” في مرمى العقوبات
أما بخصوص سفينة “TIYARA”، فقد أُدرجت على القوائم السوداء الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية (OFAC)، في سبتمبر/ أيلول 2024، لصلتها بـ”عبد الجليل الملاح”، المصنف ضمن قائمة “الداعمين للإرهاب”، وكذلك لانخراطها في عمليات تسهيل أعمال تجارية غير مشروعة بين إيران وسوريا لصالح فيلق القدس الإيراني وحزب الله اللبناني.
فيما تُدار السفينة عبر شركة الواجهة “Emerald Marine”، بكونها جزءًا من إمبراطورية شحن عائلية تشمل شركات مثل “Oryx Denizcilik” في تركيا و”Oryx Shipping” في اليونان، والتي كشفت التحقيقات الاستقصائية استمرار نشاطها في إدارة السفن رغم العقوبات الدولية.
كذلك، تمتد شبكة “آل الملاح” لتشمل الشقيقين “عبد الجليل” و”لؤي الملاح“، المدرجين على قوائم العقوبات (SDGT) لدورهما في تقديم الدعم المادي والمالي لفيلق القدس وحزب الله. فيما تعمل العائلة من خلال شركات عابرة للحدود (في بنما واليونان وتركيا) على تسييل شحنات نفط إيرانية بملايين الدولارات لصالح أذرع طهران في المنطقة، مستخدمين واجهات تجارية معقدة للالتفاف على الرقابة الدولية.
الخلاصة
تكشف مسارات السفينتين “UMA” و”TIYARA” أن الشبكات الاقتصادية التي تغذت على الأزمة السورية لسنوات، لم تندثر مع سقوط نظام الأسد، بل أعادت تموضعها لتندمج بالكامل داخل هيكل “أسطول الظل الإيراني”. فانخراط كيانات تابعة لعائلات مثل “القاطرجي” و”الملاح” في عمليات التهرب البحري، يثبت أن خطوط التمويل غير المشروع تواصل نشاطها وتتجاوز أي تغيرات سياسية قائمة.