كيف تحركت شبكة رقمية لنفي وجود معسكر للدعم السريع في إثيوبيا؟
"هذا منجم ذهب.. وليس معسكرًا"، بهذه العبارة بدأت عشرات الحسابات على منصة "إكس" تكرار الرواية نفسها عقب كشف "إيكاد"-وبعدها "رويترز"- عن بنية تحتية تحدثت تقارير عن احتمالية احتوائها على معسكر سري لتدريب قوات الدعم السريع ومرتزقة داخل الأراضي الإثيوبية.
انتشرت الصور والعبارات والروابط نفسها عبر حسابات إثيوبية وأخرى عربية وأجنبية بصورة منسقة. ومع تتبع التفاعل الرقمي، لاحظنا تشابهًا واضحًا في أنماط النشر وتوقيتاته، إلى جانب التضخيم وإعادة تدوير المحتوى، واستخدام مواد قدمت بصيغة "تحقق" لمنح الرواية المضادة غطاءً مهنيًا، ما يشير إلى أن موجة النفي لم تكن عفوية.
آلاف الحسابات دفعت برواية واحدة
ومن خلال تحليل التفاعل المرتبط بالحملة، رصدنا تصاعد النشاط بالتزامن مع نشر تقرير "رويترز" في 10 فبراير/ شباط 2026، حيث شارك أكثر من 1600 حساب في نشر ما يزيد على 2700 منشور، فيما تجاوز الانتشار التقديري للحملة 300 مليون مشاهدة. وركزت الحملة على ربط الموقع المتداول بمشروع "الكورموك للتعدين"، مع الدفع بروايات تنفي وجود أي معسكر لقوات الدعم السريع داخل إثيوبيا.
ثلاث روايات متكررة
وبتحليل المحتوى المنشور، لاحظنا اعتماد الحسابات المشاركة على ثلاث رسائل رئيسية تكررت بكثافة؛ تقديم الموقع باعتباره منشأة تعدين، واتهام "رويترز" والصحفيين المشاركين في التحقيق بنشر معلومات مضللة والاعتماد على مصادر متحيزة، إلى جانب الترويج لفكرة وجود مؤامرة خارجية تهدف إلى إشعال حرب جديدة عبر الادعاء بوجود معسكر داخل إثيوبيا.
حسابات مترابطة ضمن شبكة متصلة
ثم كشفنا، عبر سحب آلاف التفاعلات المرتبطة بالحسابات المشاركة وتحليلها ببرامج متخصصة، ارتباطها ضمن شبكة متصلة تعيد تضخيم المحتوى نفسه بصورة جماعية، مع تشابه واضح في أنماط النشر والتعليقات وإعادة التدوير.
فعلى سبيل المثال، أظهرت خرائط التفاعل الشبكي ارتباط حسابات بعينها ضمن تكتل لوني واحد، وهو نمط يرتبط عادة بالحملات الرقمية المنظمة، وكانت هذه أبرز الحسابات المرصودة: (DanielsonKassa1 - Amie74152698 - YemaneGirum - Addisk).
كذلك كشف تحليل النشاط الممتد لعام كامل وجود ذروات زمنية مشتركة بين الحسابات المشاركة، ما يعكس نشاطًا منظمًا ومستمرًا، وليس مجرد تفاعل لحظي مع التحقيق.
كما رصدنا اعتماد الحسابات على أسلوب "السبام" عبر إعادة نشر النصوص والصور والروابط نفسها بصورة متطابقة، في محاولة لتوسيع انتشار الرواية والتأثير على خوارزميات المنصات عبر ضخ المحتوى بشكل مكثف.
إسقاط رواية منشأة التعدين
وفي محاولة لإضفاء طابع مهني على الرواية المضادة، روجت تلك الحسابات أيضًا لمقال نشره موقع "abren.org" قُدم باعتباره تفنيدًا للتحقيقات، عبر ربط موقع معسكر الدعم السريع المتداول بمنشأة تعدين قريبة وتقديمها على أنها الموقع نفسه.
وفي المقابل، أظهر التحقق، الذي أجريناه عبر تحليل صور الأقمار الصناعية، وجود فجوات واضحة في الرواية المنتشرة، إذ تبين أن المسافة بين الموقعين تصل إلى نحو 50 كيلومترًا، وليس 13 كيلومترًا كما ورد في الادعاءات.
كذلك كشفنا اختلافًا في أبعاد الخيام الظاهرة في الموقعين، إلى جانب وجود فجوة زمنية بين مراحل إنشاء الموقعين، ما ينفي فرضية أنهما موقع واحد أو جزء من منشأة مترابطة. ويجدر بالذكر أن البنية التحتية التي رصدتها "إيكاد" تقع في منطقة تحيط بها أنشطة تعدين بالفعل، لكنها لا ترتبط بمنشأة "الكورموك للتعدين" التي روجت لها الحسابات المشاركة في الحملة.
ردود فعل دولية
بشكل عام، تجاوزت تداعيات الكشف عن البنية التحتية -التي يحتمل أن تكون معسكرًا سريًا في إثيوبيا- الإطار الإقليمي، لتمتد إلى الساحة الدولية، حيث نددت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، بما ورد في تقرير "رويترز" حول دعم وتمويل إماراتي لمعسكر تدريب يستخدم لتأهيل مقاتلي الدعم السريع، مؤكدة عبر حسابها على منصة "إكس" أن دعم مثل هذه المعسكرات لا يؤدي إلا إلى تأجيج النزاع في السودان.
وفي المقابل، كشف تحليل أنماط التفاعل والخرائط الشبكية أن الحملة الرقمية المرافقة لم تركز فقط على نفي التحقيقات، بل على بناء رواية مضادة عبر منشورات متكررة ومواد قدمت بصيغة تحقق، في محاولة لإعادة توجيه النقاش من طبيعة موقع المعسكر المحتمل نفسه وارتباطاته الإقليمية إلى التشكيك في التحقيقات الصحفية التي تحدثت عنه.