“إيكاد” تكشف شبكة رقمية تنتحل الهوية السورية تروج خطابًا يحدث وقيعة بين السوريين ومحيطهم العربي
بينما كان أحد أعضاء فريق التحقيقات في “إيكاد” يتنقل بشكل اعتيادي بين مقاطع منشورة على منصة “تيك توك”، فوجئ بمنشور لأحد الحسابات السورية التي يتابعها يثني على رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
يدعم هذا الحساب -في العادة- حكومة بلاده ورئيسها أحمد الشرع، وأحيانًا يهاجم الفلسطينيين والمصريين. وما أثار الانتباه هذه المرة ثناؤه المباشر على نتنياهو، الأمر الذي حَفَّز الفريق للبحث خلفه، وهو ما قادنا إلى اكتشاف شبكة رقمية تلتحف بالوطنية السورية، لتروج خطابًا يثير الفتنة بين السوريين ومحيطهم العربي.
كانت البداية من تتبع التفاعلات والتعليقات، ومنها وصلنا إلى رسم شبكة علاقات قوية تضم 25 حسابًا، كلها -عدا واحد- نشطت خلال أيام معدودة أواخر عام 2025 وأوائل 2026، وكلها تنتحل الهوية السورية، رغم أن أحدًا منها لا ينشط من داخل سوريا، وكان من اللافت أن تحليل مواقع الحسابات الجغرافية كشف عن عمل أحدها من دولة الاحتلال الإسرائيلي.
ممارسات مريبة
بعد الشروع في رصد الشبكة وتتبعها، لاحظنا عددًا من الممارسات المريبة؛ إذ غيرت بعض الحسابات هوياتها خلال فترة إعداد هذا التحقيق، مثل “القيصر الحموي – hama2030″، الذي تغير إلى “usertrppwu56wm“. لكن أمرًا أكثر ريبة اكتشفه فريق “إيكاد” خلال تحققه من هذا الحساب، حيث أظهرت سجلات أرشفة جوجل (Google Archive) ارتباطه سابقًا بمحتوى مكتوب باللغة العبرية، وهو ما يشير إلى أحد احتمالين: إما أنه انخرط قبل ذلك بالتعليق أو التفاعل مع دوائر ناطقة بالعبرية، أو أنه استُخدم سابقًا كمنصة للنشر باللغة العبرية.
ومن ضمن الممارسات المريبة كذلك حذف كامل المحتوى المنشور على الحساب، لا سيما من بعض الحسابات المركزية. فعلى سبيل المثال؛ مسح “الدمشقي” جميع المقاطع والمنشورات على حسابه، التي كان غالبها مهاجمًا للفلسطينيين. وبعد عودته لاحقًا للنشر، لوحظ أن أولى الحسابات المتفاعلة معه كانت ذات الحسابات التي رصدناها في الشبكة.
وبعد رصد الشبكة وطريقة عملها وأسلوب تفاعلها مع بعضها بعضًا، قد يتساءل البعض عن الهدف الذي تسعى إليه. ولعل أحد المداخل الرئيسية للإجابة عن هذا السؤال يكمن في فهم المضامين التي تروجها هذه الحسابات.
فما أهم المضامين التي تروجها الشبكة؟
إثر تحليل المحتوى الذي تبثه الشبكة المرصودة، لاحظ فريقنا أن منشوراتها تبدي دعمًا للحكومة السورية ورئيسها الشرع، لكنها في ذات الوقت تصور الفلسطينيين كأعداء للشعب السوري، بل تجاوز البعض ذلك حتى وصل -كما أشرنا في مطلع التحقيق- إلى دعم جرائم الإبادة في قطاع غزة، والثناء على نتنياهو.
لم يقف الأمر عند حد ترويج الحسابات لخطابات مناهضة للفلسطينيين أو داعمة للاحتلال، بل عملوا على تشويه الخطاب الشعبي الداعم للفلسطينيين، عبر الاستهداف المعنوي لعدد من الصحفيين والمؤثرين السوريين الذين أبدوا تعاطفًا سابقًا مع غزة، مثل جميل الحسن وهادي العبدالله.
وفي ضوء الدعم المطلق للاحتلال الإسرائيلي، رصد الفريق منشورات تهاجم الجيش المصري وتسخر منه. وبذلك يضاف المصريون إلى الفلسطينيين والمؤثرين السوريين الذين استهدفتهم الشبكة.
ما مدى انتشار الشبكة؟
وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن منشورات هذه الشبكة حققت نحو 2.3 مليون مشاهدة، وهو ما يعني انتشارًا واسعًا للمضامين والرسائل السابق ذكرها، الأمر الذي يقود إلى عدد من المآلات التي قد تكون بدورها أهدافًا تسعى الشبكة إلى تحقيقها.
ومن بين المآلات المحتملة لهذا الخطاب -حال اتساع تأثيره- إحداث وقيعة بين الشعبين السوري والفلسطيني، وتفكيك التضامن الشعبي مع الحالة السورية، عبر إعطاء انطباع بأن قطاعًا عريضًا من السوريين يدعم الاحتلال ويناهض القضية الفلسطينية.
ومن الممكن القول كذلك إن قمع الشبكة للأصوات التي تُبدي مناهضة للاحتلال الإسرائيلي وتعاطفًا مع الفلسطينيين قد يهدف إلى إضعاف هذا الصوت داخل النخبة السورية واستهداف التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين، في محاولة لخلق أو تعزيز سردية شعبية لا تناهض التطبيع الأمني والسياسي مع الاحتلال.
الخلاصة
وبناء على ما سبق، كشف فريق التحقيقات في “إيكاد” عن شبكة رقمية تضم 25 حسابًا، تنتحل الهوية السورية، وتنشط جميعها من خارج الأراضي السورية، تروج خطابًا يبدو مؤيدًا للرئيس السوري، وفي ذات الوقت يدعم الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه في غزة، ويهاجم الفلسطينيين، وكذلك السوريين الذين يبدون تعاطفًا معهم.