تحريض على الصحفيين وتسويق للتطبيع.. من يقف خلف "جسور نيوز"؟
قبيل اغتيال الصحفي الفلسطيني محمد وشاح، في 9 أبريل/ نيسان 2026، رصد فريق "إيكاد" حملة تحريض علنية استهدفته على منصات التواصل الاجتماعات، شاركت فيها حسابات مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب عدد من الحسابات والمنصات العربية.
يعد هذا النمط معتادًا من قبل الاحتلال الإسرائيلي قبل اغتيال الصحفيين في غزة، إذ يسبق الاغتيال عملية تحريض إعلامية، ويتلوه تبرير وتسويغ تبثه أذرع الكيان الإعلامية، إلى جانب منصات إعلامية عربية متساوقة مع خطاب الاحتلال. وقد وثقت "إيكاد" هذا النهج سابقًا في حالات اغتيال الصحفيين أنس الشريف وحسام شبات.
وفي حالة وشاح، كان من أبرز تلك المنصات العربية "جسور نيوز"، ورئيسة تحريرها هديل عويس، التي تفاعل معها الإعلامي الإسرائيلي إيدي كوهين عبر إعادة نشر منشوراتها.
وهو ما دفع الفريق إلى فتح ملف "جسور نيوز" للسؤال عمن يديرها؟ وأي جهات تقف خلفها؟ وأي خيط يربطها بمنظومة الحرب الإعلامية على غزة؟
انطلاقة "جسور نيوز"
يمثّل تاريخ 8 مارس/ آذار 2024 نقطة الانطلاق الرقمية الرسمية للمنصة بصيغتها الإعلامية الراهنة، إذ سُجّل فيه نطاق الموقع الرسمي "JusoorNews.com" عبر شركة "GoDaddy"، باستضافة من خادم تابع لمنصة "Squarespace" في نيويورك.
وبمراجعة صفحة "جسور نيوز" على الفيسبوك، اتضح أن اسمها تغير أربع مرات خلال السنوات الماضية، إذ تكشف بيانات الصفحة أنها أنشئت في 21 يونيو/ حزيران 2019 باسم "Arab Council for Regional Integration"، ثم تغيّر اسمها بعد خمسة أيام إلى "المجلس العربي للاندماج الإقليمي". وفي 10 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، تحوّلت إلى "المجلس العربي للتكامل الإقليمي"، قبل أن تستقر في 12 مارس/ آذار 2024 على الاسم الحالي.
وهو ما يعني أن ملكية صفحة "جسور نيوز" ظلت مملوكة للمجلس العربي للتكامل الإقليمي لمدة تناهز 5 سنوات، وهو ما يطرح سؤالًا حول هوية المجلس ، وأجندته وسياساته وارتباطاته، لا سيما وأن حساب المجلس على اليوتيوب لا يزال يحيل إلى صفحة "JusoorNews" على "فيسبوك".
ما هو المجلس العربي للتكامل الإقليمي؟
يُعرّف المجلس نفسه بأنه مبادرة شعبية لكسر المقاطعة العربية للاحتلال الإسرائيلي، إذ يروج لـلسلام بين القواعد الشعبية العربية والإسرائيلية، بمعزل عن الموقف الرسمي العربي.
أسسه المصري مصطفى الدسوقي عام 2019، وضم فيه عضويته أكثر من 30 عربيًا، وحظي بدعم اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة وأوروبا.
وفي عام 2020، تبنّى عضوا مجلس الشيوخ الأمريكي كوري بوكر (Cory Booker) وروب بورتمان (Rob Portman) مبادرة المجلس، وقدّما مشروع قانون يوفّر الحماية للعرب المنخرطين في "حوار" مع المجتمع الإسرائيلي. كما حظي المشروع بدعم وزير الخارجية الأمريكي الأسبق مايك بومبيو (Mike Pompeo)، ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير (Tony Blair).
أثار هذا الارتباط بين المنصة والمجلس المروج للتطبيع الشعبي انتباه فريق "إيكاد"، وهو ما دفعنا للتعمق بشكل أكبر في إدارة "جسور نيوز" ذاتها، المتمثلة بشكل أساسي في رئيسة التحرير.
هديل عويس.. ارتباطات متعددة بالاحتلال الإسرائيلي
بتتبع سجل الإعلامية السورية هديل عويس، تبين ارتباطها بعدد من المؤسسات الداعمة لإسرائيل في واشنطن؛ إذ إنها تشغل منصب مديرة برنامج التواصل العربي ("Arabic Outreach Manager") في معهد "جيمينا" (JIMENA)، الذي يدعم شرعية الاحتلال الإسرائيلي ويصفه بأنه "الملاذ" ليهود الشرق الأوسط.
كما رصدنا تعاونها مع معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، الذي تأسس عام 1985 بدعم من مؤسسة "أيباك" (AIPAC)، أحد أبرز مجموعات الضغط الداعمة لإسرائيل في الولايات المتحدة. ومن خلاله، نشرت عويس مقالات تدعو فيها السوريين واللبنانيين إلى إعادة النظر في تصوراتهم عن الاحتلال الإسرائيلي. وعبر مقال نشرته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" (The Times of Israel)، دعت السوريين إلى التعامل مع الاحتلال كشريك محتمل في مستقبل سوريا.
هذا بالإضافة إلى زمالتها في مشروع "فيلوس" (Philos Project)، منذ يناير/ كانون الثاني 2024، وهو منظمة أمريكية تروّج لتطبيع مسيحي مع الاحتلال الإسرائيلي على أساس ديني. كما تربطها علاقة عمل بـ "جويل روزنبرغ"، مستشار نتنياهو السابق، ورئيس تحرير منصتي (All Israel News) و(All Arab News).
كما قادنا البحث إلى علاقة عمل تربطها بـ "مركز الاتصالات من أجل السلام" (Center for Peace Communications)، الذي تأسس عام 2019 في نيويورك، ويرتبط بدوائر اللوبي الإسرائيلي الأمريكي "أيباك".
يرأس المركز جوزيف براود (Joseph Braude)، وهو يهودي أمريكي يرى أن التطبيع مع الاحتلال "ضرورة" للعالم العربي. ويشغل الإسرائيلي مايكل ناحوم (Michael Nahum) منصب الرئيس التنفيذي للعمليات. وفي مجلس الإدارة، يجلس دينيس روس (Dennis Ross)، الدبلوماسي الأمريكي السابق وأحد أبرز الداعمين للاحتلال في المؤسسات الأمريكية، وتنقل "جسور نيوز" تصريحاته وتتبنّى أفكاره.
داخل المركز يعمل أربعة عرب، أبرزهم هديل عويس، مديرة الاتصالات باللغة العربية، وزوجها عاهد الهندي، الخبير الاقتصادي وعضو في "المجلس العربي للتكامل الإقليمي"، الجهة الأم التي وُلدت من رحمها "جسور نيوز".
ما أبرز الشخصيات التي تروج لها المنصة؟
ورغم أن "جسور نيوز" تقدم نفسها كمساحة للحوار المفتوح، لكن محتواها يكشف نمطًا متكررًا من استضافة أصوات فلسطينية تتبنّى سرديات تُحمّل فصائل المقاومة مسؤولية ما يجري في غزة، وتُغيّب جرائم الاحتلال.
ومن أبرز هذه الوجوه ياسر أبو شباب، الذي قدم نفسه عبر المنصة بديلًا لحماس، وعُرف بصلاته بالاحتلال. وكذلك الناشط الفلسطيني أمجد أبو كوش، وقد وثقنا سابقًا انخراطه في شبكة إعلامية موالية للسلطة الفلسطينية تساهم في التحريض على الصحفيين في غزة، كما أنه يتبنّى باستمرار رواية "سوء إدارة المقاومة" وتحميلها المسؤولية.
هذا بالإضافة إلى عدد من النشطاء الذين يتبنون ذات السرديات؛ مثل أمين عابد، ومصطفى كريرة، والباحث الفلسطيني حسن الداودي، ومؤمن الناطور (مؤسس حراك "بدنا نعيش" في بيت لاهيا). واللافت أن عددًا من الحسابات الإسرائيلية -الرسمية أو شبه الرسمية- تعيد نشر عدد من مشاركات هؤلاء النشطاء في المنصة وتروج لها.
والقاسم المشترك بين هذه الشخصيات جميعًا هو توحد خطابها ضد المقاومة، وهو ما يتسق مع الرواية الإسرائيلية، التي تعيد تدوير هذه المشاركات عبر أذرعها الإعلامية؛ مثل المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي (Avichay Adraee)، وحساب "إسرائيل بالعربية"، ورئيسة مكتب الإعلام العربي "كابتن إيلا"، وكذلك إيدي كوهين.
ثلاث كتل مترابطة
دفعنا هذا الترابط أو التناسق بين الحسابات الإسرائيلية والمنصة إلى تحليل شبكة التفاعلات حول "جسور نيوز" من خلال أدوات التحليل الرقمي المتخصصة، فظهر ما يمكن القول إنه "تحالف رقمي" يتوزّع على ثلاث كتل، تدور كلها في فلك سردية واحدة. تضم الكتلة البنفسجية حسابات كل من "جسور نيوز"، وهديل عويس، وأمجد أبو كوش، والإعلامي جويل روزنبرغ (Joel C. Rosenberg)، الذي يعتبر صلة وصل بين المنصة ودوائر اللوبي الإسرائيلي في واشنطن.
في حين تشمل الكتلة البرتقالية حسابات كل من أفيخاي أدرعي، وإيدي كوهين، و"كابتن إيلا"، وحساب "إسرائيل بالعربية"، التي تعيد نشر محتوى المنصة بشكل متكرر. وتضم الكتلة الخضراء وجوهًا فلسطينية مؤيدة للتطبيع؛ مثل مؤمن الناطور، وأحمد فؤاد الخطيب، وجون عزيز (John Aziz).
فما أبرز السرديات التي تروج لها المنصة؟
بعد تحليل فريق "إيكاد" للمضامين والرسائل التي تبثها "جسور نيوز"، تبين أنها جميعًا تخدم الهدف نفسه؛ وهو الترويج للتطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي، وصرف اهتمام الجمهور العربي المتابع لها عن جرائمه.
ففي غزة، تسمي المنصة أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول بـ"لعنة الطوفان"، وتُحمّل حماس مسؤولية الجرائم الإسرائيلية. وخطابها في ذلك يتجاوز نقد الموقف السياسي إلى تضخيم أي حادث عرضي وتحويله إلى مادة دعائية ضد المقاومة، مع تغييب كامل لانتهاكات الاحتلال. وفيما يخص السودان، تُبرز "جسور نيوز" الجيش السوداني كسبب رئيسي في التصعيد، وتُغيّب -بشكل شبه كامل- انتهاكات قوات الدعم السريع.
في ذات الوقت، لوحظ أن المنصة تولي اهتمامًا لافتًا بأخبار دولة الإمارات، حيث تسلط الضوء على "دورها الإنساني والإنمائي"، بكثافة تغطية وانتقائية تطرحان سؤالًا حول طبيعة العلاقة بين الجانبين.
وفي الملف السوري، تنسج "جسور نيوز" خطابًا يُقدّم الاحتلال شريكًا محتملًا في مستقبل سوريا. كما أنها روّجت لفكرة تقسيم الجولان بين سوريا والاحتلال، واقترحت إمكانية "استئجار" الجزء السوري، ما يُشرعن ضمنيًا بقاء الاحتلال على الأرض السورية. وفي تغطية أخرى، طرحت مشروعًا لمدّ أنابيب من نهر الفرات إلى الاحتلال بوصفه "شرطًا للسلام".
وفي مقال على موقعها، وصفت المنصة الحرب السورية بأنها "حرب أهلية" لا ثورة، وربطت الانفتاح الغربي على دمشق بالتطبيع. وعبر لقاء مصوَّر مع الفنان السوري نوار بلبل، عرضت دعوة صريحة لإقامة "علاقات سلام" بين سوريا والاحتلال.
وفي أحداث محافظة السويداء، شبّهت المنصة ما جرى بهجمات السابع من أكتوبر، وقدّمت الاحتلال طرفًا "إنسانيًا" يدعم الدروز، مقابل تصوير الحكومة السورية كجهة قمعية أخفقت في إدارة الأزمة.
الخلاصة
بعد كشف ارتباطات المنصة بـ "المجلس العربي للتكامل الإقليمي" المروج للتطبيع مع إسرائيل، وتتبع صلات رئيسة تحرير المنصة هديل عويس بمجموعات الضغط الداعمة لإسرائيل، وتحليل السرديات والمضامين والشخصيات التي تروج لها، خلص فريق "إيكاد" إلى أن خطاب "جسور نيوز" يتسق -في كثير من جوانبه- مع خطاب الاحتلال الإسرائيلي، إذ تعيد إنتاج رواياته في الفضاء العربي، وتُسهم في تهيئة خطاب يطعن في صحفيي غزة، ويقدّم الاحتلال شريكًا محتملًا في إعادة تشكيل المشهد العربي.