قاعدة البيانات
مقال

أين اختفى أسطول الشحن المملوك للدولة السورية منذ سقوط الأسد؟

7/6/2026

مع طي صفحة النظام السوري السابق وبدء الحكومة الجديدة تسلم المؤسسات السيادية، طفا على السطح تساؤلات حول مصير أصول "الخطوط الجوية السورية"؛ وتحديدًا أسطول الشحن المكون من ثلاث طائرات من طراز "إليوشن - 76". فبينما كانت الأنظار تتجه نحو دمشق وحكومتها الجديدة، كانت هذه الطائرات ترسم مسارات غامضة بعيدًا عن الرادارات. وفي هذا التحقيق، تتبع "إيكاد" البصمة الرقمية لهذا الأسطول، لنكشف بالبيانات الملاحية وصور الأقمار الصناعية أين اختفت هذه الطائرات وما علاقتها بليلة السقوط؟

الطائرة الأولى.. غادرت ولم تعد

قبيل سقوط النظام بأيام، وتحديدًا في 4 ديسمبر/ كانون الأول 2024، غادرت الطائرة -ذات الرقم التسجيلي "YK-ATD"- دمشق باتجاه مطار بنينا الدولي ببنغازي، وهناك انقطعت إشارتها تمامًا لأسابيع، ولم تظهر على الرادارات مرة أخرى إلا في 9 يناير/ كانون الثاني 2024؛ حيث التُقطت إشارتها قبالة السواحل الليبية، قادمة -فيما يبدو- من مطار بنينا. وبعد نحو 75 دقيقة، هبطت الطائرة في مطار "سبها" جنوب ليبيا، لتقلع بعد أقل من ساعة نحو الشمال، وتختفي إشارتها الرادارية على بعد 200 كم من بنغازي. 

عقب هذه الرحلة، توارت الطائرة عن الأنظار لأكثر من أسبوعين، ليعاود الرصد الملاحي التقاطها 4 مرات بالقرب في محيط مطار بنينا الدولي ببنغازي (أيام 26 و27 يناير/ كانون الثاني، و2 و4 فبراير/ شباط 2025). ومنذ رصدها الأخير في 5 فبراير/ شباط 2025، لم تسجل الرادارات أي حركة للطائرة خارج بنغازي حتى لحظة إعداد التحقيق.


تثبت هذه البيانات الملاحية تمركز الطائرة (YK-ATD) بشكل شبه دائم في مطار بنينا الدولي منذ خروجها النهائي من دمشق قبيل سقوط الأسد بأربعة أيام، مع انحصار نشاطها في رحلات داخلية محدودة بين سبها وبنينا.

لم يكتفِ فريق "إيكاد" بالرصد الملاحي، بل عززناه بتحليل صور أقمار صناعية عالية الدقة؛ حيث كشفت صور مطار بنينا الدولي، بتاريخ 16 فبراير/ شباط 2025، عن وجود طائرة رابضة في الجانب العسكري للمطار. وبمطابقة القياسات الفنية والظلال، تبين أنها تتشابه إلى حد كبير مع مواصفات الطائرة "إليوشن 76" المملوكة للخطوط الجوية السورية.  

مرفق 08 صور الأقمار الصناعية توثق وجود طائرة في مطار بنينا نرجح أنها "إليوشن 76" يوم 16 فبراير/ شباط 2026 (Sentinel-2، إيكاد)

وبإجراء مقارنة زمنية دقيقة لموقع الطائرة الذي تربض فيه؛ أظهرت الصور الملتقطة قبل تاريخ 4 ديسمبر/ كانون الأول 2024، خلوَّه تمامًا من أي طائرات، وهو ما يتوافق مع سجلات الملاحة التي أكدت وجود الطائرة في سوريا آنذاك. 

كما رصدت الأقمار الصناعية وجود الطائرة واستقرارها في ذات الموقع خلال الفترة من 13 ديسمبر/ كانون الأول 2024 إلى 22 يناير/ كانون الثاني 2025، وهي الفترة ذاتها التي توقفت فيها إشارات الملاحة للطائرة منذ وصولها مطار بنينا، وذلك باستثناء رحلة 9 يناير/ كانون الثاني 2024، التي ذكرناها أعلاه، لكن لم نجد صور أقمار صناعية في ذات اليوم. 

مرفق 11 السجل الملاحي للطائرة "YK-ATD" منذ 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 حتى 2 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ومنذ 2 ديسمبر/ كانون الأول حتى 25 يناير/ كانون الثاني 2025 (Flight Radar 24)

في حين أثبتت أحدث الصور الملتقطة في 16 فبراير/ شباط 2025 -كما أشرنا آنفًا- بقاءها في نفس المكان دون تغيير، وهو ما يتسق مع البيانات الملاحية حول استقرارها في بنغازي منذ هبوطها الأخير في بنغازي يوم 5 فبراير/ شباط 2025.

مرفق 12 صور الأقمار الصناعية توثق وجود طائرة في مطار بنينا نرجح أنها "إليوشن 76" يوم 16 فبراير/ شباط 2026 (Sentinel-2)

فماذا عن الطائرة الثانية (YK-ATA)؟

ننتقل إلى الطائرة الثانية في أسطول الشحن السوري، وهي "إليوشن-76T" ذات الرقم التسجيلي (YK-ATA)، والتي ارتبط اسمها بواحدة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ السوري الحديث. ففي تحقيق سابق، كان أحد السيناريوهات التي توصلت لها "إيكاد" هو أن هذه الطائرة كانت الوسيلة التي أقلت بشار الأسد من دمشق إلى قاعدة حميميم منتصف ليل 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، تمهيدًا لإجلائه لاحقًا نحو روسيا.  

هذا الارتباط بليلة السقوط دفعنا للبحث عن مصيرها الحالي؛ هل غادرت الأراضي السورية مع مغادرة النظام، أم أنها لا تزال عالقة في مناطق النفوذ الروسي؟ بتتبع سجلات الملاحة الجوية، تبين أن رحلة الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024 كانت النشاط الأخير المرصود للطائرة؛ إذ انقطعت إشارتها تمامًا فور هبوطها في قاعدة حميميم العسكرية باللاذقية، ومصيرها مجهول منذ ذلك الحين.

مرفق 13 مسار الطائرة "YK-ATA" ليلة 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 (Flight Radar 24)

ولكسر هذا الغياب المعلوماتي، طابقت "إيكاد" سجلات الملاحة مع صور الأقمار الصناعية وتحليل المقاطع المرئية القادمة من قلب القاعدة الروسية. وكان الهدف التأكد مما إذا كانت الطائرة لا تزال في القاعدة.وبناءً على الأدلة البصرية التي حللناها، تمكنت "إيكاد" من تثبيت موقع الطائرة (YK-ATA) داخل قاعدة حميميم الروسية عقب سقوط النظام؛ حيث أظهر مقطع مرئي بثته قناة "الجزيرة" وجود طائرة الشحن السورية في أحد مدارج القاعدة الروسية في سوريا. وقد تقاطع هذا الرصد الميداني مع صور أقمار صناعية عالية الدقة حصل عليها مختصون من "ماكسار"، والتي وثقت وجود الطائرة ذاتها في القاعدة بتاريخ 10 ديسمبر/ كانون الأول 2024؛ أي بعد يومين فقط من رحلة إخلاء الأسد.

مرفق 14 المطابقة البصرية بين لقطة من المشاهد الجوية التي بثتها قناة الجزيرة لقاعدة "حميميم" الروسية وصور عالية الدقة من "ماكسار" حصل عليها مختصون لذات القاعدة يوم 10 ديسمبر/ كانون الأول 2024.

وللتحقق بشكل أكبر، عمقت "إيكاد" بحثها عبر تحليل صور الأقمار الصناعية الملتقطة لقاعدة "حميميم"، لتكشف النتائج أن الطائرة "YK-ATA" لم تغادر موقعها منذ العاشر من ديسمبر/ كانون الأول 2024. فبمراقبة التسلسل الزمني حتى تاريخ 29 يناير/ كانون الثاني 2025، أظهرت الصور استقرار الطائرة في ذات الموقع داخل القاعدة الروسية.

مرفق 15 لقطات جوية للطائرة السورية "YK-ATA" داخل قاعدة "حميميم" منذ 10 ديسمبر/ كانون الأول 2024 حتى 29 يناير/ كانون الثاني 2025 (Sentinel-2)

الطائرة المتوارية منذ أكثر من عام (YK-ATB)

نصل إلى الطائرة الثالثة والأخيرة في أسطول الشحن السوري المفقود أثره، ذات الرقم التسجيلي (YK-ATB)، والتي تبدو الأقل نشاطًا والأكثر غموضًا. فبينما كانت شقيقاتها (YK-ATA) و(YK-ATD) تؤديان مهامًا عابرة للحدود ليلة سقوط الأسد وما بعدها، غابت هذه الطائرة تمامًا عن الرادارات؛ حيث لم يسجل موقع "فلايت رادار 24" أي نشاط حديث لها منذ مطلع عام 2024.

مرفق 16

وبتحليل "إيكاد" لآخر الإشارات الملتقطة للطائرة في يناير/ كانون الثاني 2024، تبين أنها ظهرت آنذاك برقم الرحلة (SYR651) دون تحديد مسار واضح، وهو ما يرجح بقوة أنها كانت تنفذ رحلة داخلية. هذا الاستنتاج عززه تتبع سجلات الطائرة التاريخية؛ إذ ارتبط رقم الرحلة ذاته (SYR651) برحلة سابقة لنفس الطائرة بين دمشق والقامشلي. كما تقاطع هذا الرصد مع بيانات موقع "AirNav Radar" التي التقطت إشارة للطائرة في 4 مارس/ آذار 2024، وهي في طريقها من مطار القامشلي باتجاه مطار دمشق الدولي، ليكون هذا الظهورُ الأخيرَ لها.  

ومن هذا التتبع الملاحي، رجحنا أن الطائرة (YK-ATB) تتواجد داخل مطار دمشق الدولي، لكنها في حالة ركود منذ أكثر من عام، فهي -على ما يبدو- خارج الخدمة الفعلية نتيجة أعطال فنية أو أسباب تشغيلية.

الخلاصة

ومن هذا التحقيق خلصنا إلى أن أسطول الشحن الوطني السوري بات موزعًا بين جغرافيتين خارجيتين، بعيدًا عن سلطة الدولة السورية الجديدة. فبينما تربض الطائرة (YK-ATD) في مطار بنينا الدولي ببنغازي تحت سيطرة حلفاء النظام السوري السابق في ليبيا، لا تزال الطائرة (YK-ATA) -التي نفذت على الأرجح مهمة إخلاء الأسد الأخيرة- في قبضة الروس داخل قاعدة حميميم باللاذقية. أما الطائرة الثالثة (YK-ATB)، فيرجح التحليل بقاءها في مطار دمشق الدولي، لكنها خارج حسابات التأثير الميداني نتيجة توقفها عن الخدمة منذ أكثر من عام.