قاعدة البيانات
مقال

كيف خسرت إسرائيل حرب السردية في مواجهة القضية الفلسطينية؟ 

8/12/2025

"لم نربح حرب الدعاية".. هذا ما صرح به رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، صراحة في إقرار نادر من مسؤول في موقعه حول فشل الدعاية الإسرائيلية. ولا يبدو وحده من خالطه هذا الشعور؛ إذ وثّقت تقارير إسرائيلية وأجنبية إحساسًا متناميًا لدى المسؤولين والمحللين الإسرائيليين بأنهم يخسرون معركة الرواية والسردية أمام الخطاب المؤيد للقضية الفلسطينية.

هذا الاهتمام المتصاعد بما يجري في الفضاء الرقمي دفع فريقَ "إيكاد" إلى دراسة حجم تفاعل المجتمعات الغربية مع القضية الفلسطينية، ومقارنته بحجم الخطاب الداعم لإسرائيل على منصات التواصل الاجتماعي منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

انقلاب في السردية

بدأ التحقيق بتحديد مجموعة من الكلمات المفتاحية الداعمة للقضية الفلسطينية، في مقابل كلمات مفتاحية أخرى داعمة لإسرائيل، باستخدام اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية مع استبعاد العربية، بغية التركيز على حجم الخطاب خارج الفضاء العربي تحديدًا، وذلك خلال الفترة الممتدة من 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حتى 6 ديسمبر/ كانون الأول 2025.

أظهرت النتائج فجوة واسعة بين الخطابين؛ إذ بلغ عدد التفاعلات المؤيدة للقضية الفلسطينية خلال تلك الفترة 791 مليون تفاعل بمشاركة 22.9 مليون حساب، في حين لم يتجاوز الخطاب الداعم لإسرائيل 66 مليون تفاعل بمشاركة 14.1 مليون حساب. كما كشف التحليل الرقمي أن الإنجليزية تتصدر النقاشَين المؤيدَين لفلسطين ولإسرائيل على حدٍّ سواء، تليها الإسبانية ثم الفرنسية بذات الترتيب في الحالتَين. 

رسم بياني يُظهر تطور حجم المنشورات والحسابات الناشطة في الخطاب المؤيد للقضية الفلسطينية، من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
مخططات دائرية تُظهر إجمالي المنشورات المؤيدة لفلسطين، البالغة 791 مليونًا موزعةً بحسب نوع المحتوى، وإجمالي الحسابات المشاركة البالغة 22.9 مليون حساب موزعةً بحسب الجنس.
جدول يُظهر توزيع المنشورات المؤيدة للقضية الفلسطينية بحسب اللغة.
رسم بياني يُظهر تطور حجم المنشورات والحسابات الناشطة في الخطاب الداعم لإسرائيل، من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
مخططات دائرية تُظهر إجمالي المنشورات الداعمة لإسرائيل البالغة 66 مليونًا موزعةً بحسب نوع المحتوى، وإجمالي الحسابات المشاركة البالغة 14.1 مليون حساب موزعةً بحسب الجنس.
جدول يُظهر توزيع المنشورات المؤيدة لإسرائيل بحسب اللغة.

وعلى صعيد التوزيع الجغرافي، فالولايات المتحدة هي المصدر الأول لكلا الخطابين؛ بنسبة 38% في النقاش المؤيد لفلسطين، و45% في النقاش الداعم لإسرائيل. وفي الجانب الفلسطيني تأتي فرنسا ثانية بنسبة 10%، تليها بريطانيا بنسبة 9%، فإسبانيا وكندا.

غير أن النتيجة اللافتة كانت في الجانب الإسرائيلي؛ إذ تحتل الهند المرتبة الثانية بنسبة 10%، متقدمةً على بريطانيا وفرنسا وكندا، بل على إسرائيل نفسها. وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الحسابات الناشطة من الأراضي الهندية لصالح الرواية الإسرائيلية.

ارتفع زخم الخطابين معًا في الأسابيع الأولى التي أعقبت السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حين استقطبت الأحداث آنذاك اهتمامًا عالميًا واسعًا. ورغم تراجع الخطابين بعد هذه الذروة، إلا أن الخطاب الفلسطيني حافظ على مستوى زخم مرتفع خلال فترة الرصد بأكملها، في حين انحسر الخطاب الداعم لإسرائيل. 

لم يستطع الخطاب الإسرائيلي استعادة زخمه الأولي، أو بالأحرى الصعود نسبيًا مجددًا، إلا في فترات قصيرة ومتقطعة، في حين حافظ الخطاب المؤيد لفلسطين على مستوى مرتفع طوال قرابة عامَيْن، حتى بلغت حصته 92% من إجمالي التفاعلات التي رصدها الفريق، مقابل أقل من 8% للخطاب الداعم لإسرائيل، أي قرابة 11.8 منشور فلسطيني مقابل كل منشور إسرائيلي واحد.

رسم بياني مقارن يُظهر تطور حجم الإشارات في الخطابَيْن المؤيد لفلسطين (البرتقالي) والداعم لإسرائيل (البنفسجي) من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
رسم بياني مقارن يُظهر الفجوة بين إجمالي المنشورات المؤيدة للقضية الفلسطينية (باللون الأخضر) وتلك الداعمة لإسرائيل (باللون الأحمر) خلال الفترة من 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حتى 6 ديسمبر/ كانون الأول 2025.

تغير لافت في المزاج الغربي

كل ما سبق من أرقام ومقارنات في الزخم والتوزيع الجغرافي واللغوي يصبّ في تأكيد ما أقرّ به نتنياهو في مستهل هذا التقرير. وتزيد هذه الصورة وضوحًا حين تُقرأ إلى جانب استطلاعات الرأي التي رصدت تحولاً موازيًا في المزاج الغربي العام.

ففي سبتمبر/ أيلول 2025، أظهر استطلاع أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" وجامعة "سيينا" أن أغلبية نسبية من الأمريكيين تميل إلى الفلسطينيين للمرة الأولى منذ بدء طرح هذا السؤال عام 1998. وفي بريطانيا رأى 57% أن العمليات الإسرائيلية غير مبرّرة، فيما أفاد نحو 63% من الألمان بأن الهجمات على غزة "ذهبت بعيدًا".

ويعضد ذلك ما كشفته استطلاعات أجريت، بين أغسطس/ آب وأكتوبر/ تشرين الأول 2025، في المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا، حين قِيس ما بات يُعرف بـ "مؤشر دعم السياسات المؤيدة لفلسطين" "Palestine Policy Support Index"، وهو مقياس تجميعي يجمع نسب المؤيدين للاعتراف بدولة فلسطين وفرض العقوبات على إسرائيل وحظر تصدير السلاح إليها. تصدّرت إيطاليا هذا المؤشر بنحو 88%، تلتها إسبانيا بقرابة 62%، ثم فرنسا بـ 53%، فيما سجّلت ألمانيا والمملكة المتحدة نحو 44%.

مرفق 03 رسم بياني يُظهر مؤشر دعم السياسات المؤيدة لفلسطين في خمس دول أوروبية كبرى خلال الفترة بين أغسطس/ آب وأكتوبر/ تشرين الأول 2025.

ويبقى السؤال.. لماذا خسرت إسرائيل حرب الرواية والسردية؟

من الممكن القول إن تفسير هذا الفارق يكمن في طبيعة الخطابَيْن نفسيهما، إذ ارتكز الخطاب الإسرائيلي منذ البداية على سردية الأمن ومكافحة الإرهاب، وهي سردية تمتلك زخمًا في لحظة الصدمة الأولى، لكنها تفقد قدرتها على الحشد حين تتحول الصور من عملية عسكرية إلى ضحايا مدنيين ومستشفيات مستهدفة ومخيمات محاصرة.

في المقابل، استند الخطاب المؤيد للقضية الفلسطينية إلى المحتوى الإنساني؛ مثل صور جثث الأطفال وهدم المدن واستهداف المستشفيات والمدارس. حيث ينتشر هذا المحتوى دون حاجة إلى حملات منظّمة، فكل مجزرة جديدة أو صورة مستشفى أو شهادة ميدانية تُعيد إطلاق النقاش من الصفر وتمنح السردية ديمومة متجددة. ليجد الخطاب الإسرائيلي نفسه في موقف تبريري متصاعد، يحاول تسويغ الانتهاكات الإنسانية، وهو ما انعكس مباشرةً على أرقام الزخم التي رصدها فريق "إيكاد" على مدار عامَيْن.