واجهة سلمية وخلفية مسلحة.. ما حقيقة خطاب "غزال غزال"؟
اختار شيخ الطائفة العلوية "غزال غزال" الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام بشار الأسد للدعوة إلى إضراب عام في الساحل السوري، في وقت كانت فيه صفحات وحسابات مرتبطة بفلول النظام السابق تدفع بقوة نحو المشاركة، وتعيد نشر مقاطع تتحدث عن "استعادة الحقوق" و"الرد على الإقصاء".
لكن الدعوات التي قُدمت بوصفها حراكًا سلميًا لم تنتشر وحدها، إذ ظهرت بالتزامن معها تسجيلات لمسلحين وملثمين يرتدون أطقمًا عسكرية، يدعون إلى الالتفاف حول الإضراب نفسه، ومستخدمين خطابًا طائفيًا مباشرًا ضد رافضي المشاركة.
وهنا شرع فريق "إيكاد" في التحقق من عشرات التسجيلات والخطابات المرتبطة بغزال غزال خلال عام 2025، وتتبع كيف انتقل خطابه تدريجيًا من الحديث عن المظلومية والمعتقلين إلى الدعوة للاحتجاج والإضراب، بالتزامن مع التفاف بيئات رقمية ومسلحة حوله.
فمن هو غزال؟
ينحدر غزال غزال من قرية "تلا" في محافظة اللاذقية، وتشير تقارير محلية إلى أنه شغل منصب مفتي اللاذقية خلال حكم بشار الأسد، كما تداول ناشطون تسجيلًا قديمًا منسوبًا له يمتدح فيه النظام السابق ويصف الثوار السوريين بـ "الجرذان".
وبعد سقوط الأسد، برز غزال بصفته رئيسًا للمجلس الديني المنبثق عن المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، وهو كيان حاول تقديم نفسه باعتباره مرجعية سياسية ودينية للطائفة العلوية داخل سوريا وخارجها، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن الفيدرالية والحماية الدولية. وفي 8 فبراير/ شباط 2025، دعا غزال عددًا من وجهاء ومشايخ الطائفة العلوية في اللاذقية وجبلة إلى اجتماع موسع، في خطوة عززت حضوره باعتباره أحد أهم الوجوه المتحدثة باسم الطائفة في الساحل السوري.
تصاعد تدريجي في الخطاب
ومن خلال تتبعنا لخطابات غزال، لاحظنا بناءه لسردية خاصة تركز على اتهام الحكومة السورية باستهداف العلويين. ففي 24 فبراير/ شباط 2025، ظهر في تسجيل مصور يقول فيه فيه إن الوضع في سوريا تحول إلى "حرب طائفية"، مطالبًا بالإفراج عن المعتقلين والعسكريين الذين اعتُقلوا بعد معركة "ردع العدوان"، معتبرًا أن احتجازهم "دون وجه حق".
ولاحقًا، تكررت هذه السردية بصورة مكثفة عبر حسابات وصفحات محسوبة على فلول النظام السابق، حيث أعادت نشر المقاطع نفسها وربطت بين خطاب غزال وما وصفته بالدفاع عن الساحل.
بعدها نُشر تسجيل في 4 مارس/ آذار 2025، يظهر فيه غزال من داخل أحد مساجد حي الدعتور باللاذقية، مستخدمًا خطابًا أكثر تصعيدًا. وقال: "إن كانوا ينوون العداوة والبغضاء بذبح أطفالنا فنحن أول الناس نُذبح"، في حديث حمل نبرة طائفية مباشرة، وربط بين أحداث الحي وما وصفه باستهداف العلويين.
وبالتزامن مع تداول التسجيل، رصدنا تصاعدًا في إعادة نشر خطاباته عبر صفحات معادية للحكومة السورية الجديدة، ترافقت مع تعليقات تستخدم مفردات مثل "الدفاع" و"حماية الساحل" و"عدم السكوت". ولاحظنا أن الخطاب بدأ ينتقل تدريجيًا من الحديث عن المظلومية إلى خطاب تعبئة مفتوح يرتكز على فكرة "التهديد الوجودي للعلويين".
المطالبة بحماية دولية
ودخل خطاب غزال إلى مرحلة مختلفة يوم 9 أبريل/ نيسان 2025، عندما ظهر في تسجيل اتهم فيه الحكومة السورية بـ "الإرهاب"، مطالبًا بحماية دولية للساحل السوري.
وشكل هذا الطرح نقطة تحول مهمة، إذ لم يعد الخطاب مقتصرًا على الاعتراض أو المطالبة بالإفراج عن المعتقلين، بل انتقل إلى نزع شرعية الحكومة نفسها، بالتزامن مع طرح فكرة التدويل والحماية الخارجية.
ثم في 28 أبريل/ نيسان 2025، أعلن دعمه لكل من "قسد" و"الدروز"، وطالب للمرة الأولى بالفيدرالية في الساحل السوري، قبل أن يعود في 20 مايو/ آيار 2025 ويصف الحكومة السورية بأنها "سلطة أمر واقع".
وفي 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، كرر غزال مطالبته بالحكم الفيدرالي في مناطق الساحل، داعيًا إلى مظاهرات ضد الحكومة السورية. وبعد أيام، ظهر مجددًا في تسجيل يشكر فيه "الموحدين الدروز في جبل الباشان"، مؤكدًا أنه "لن يتراجع حتى تحقيق مطالبه".
تحليل المسار الزمني لـ "غزال غزال"..
من المظلومية السياسية إلى التلويح بالعسكرة (فبراير - ديسمبر 2025)
-
بداية الطرح الطائفي (التأسيس للمظلومية)
اعتبار الثورة صراعًا طائفيًا والمطالبة بالمعتقلين العسكريين، واتهام الحكومة بالتعسف.
-
التهديد بالرد بالمثل (تأجيج الخطاب)
خطاب: "نحن أول الناس نذبح إذا ما أحدثت الدعوات"، استخدام لغة دعائية عنيفة.
-
نقطة تحول: التدويل (نزع الشرعية)
اتهام الحكومة بـ"الإرهاب"، علنًا والمطالبة بحماية دولية.
-
مشروع الفيدرالية (طرح سياسي)
إعلان دعم "قسد" والدروز والمطالبة بالفيدرالية في الساحل لأول مرة.
-
سلطة الأمر الواقع
وصف الحكومة بأنها مجرد سلطة أمر واقع تكرّس الانفصال النفسي.
-
الدعوة للمظاهرات (تصعيد ميداني)
التحول للفعل الميداني والدعوة لمظاهرات في الساحل وعموم سوريا.
-
شكر الدروز والإنذار (تحالفات)
ثبيت التحالفات مع الدروز والتهديد بعدم السكوت عن أي اعتداء.
-
الإضراب العام الشامل (تصعيد نهائي)
الدعوة لإضراب (8-12 ديسمبر) في ذكرى السقوط، والتلويح برد "سلمي" حاليًا.
-
حملة رقمية دعمًا لخطاباته
وبالتزامن مع تصاعد خطاب غزال، رصد فريق "إيكاد" حملة رقمية واسعة لدعم سرديته. فمن خلال أدوات التحليل الرقمي، سحبنا الكلمات المفتاحية المرتبطة باسمه وخطاباته، وهو ما كشف عن وجود نحو 12 ألف منشور مرتبط بخطابه خلال عام واحد، بوصول تقريبي بلغ 150 مليون مشاهدة وتفاعل.
كما أظهرت البيانات تصاعد الذروات الرقمية بالتزامن مع خطاباته الأكثر حدة، خصوصًا خلال أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني وبدايات ديسمبر/ كانون الأول 2025، مع دعوات الإضراب والاحتجاج.
وبتحليل الصفحات والحسابات المشاركة في الحملة، رصدنا مساهمة صفحات معادية للحكومة السورية -مثل "العلويون" و"المقاومة السورية فرع إدلب"- في إعادة نشر خطاباته بصورة متكررة، إلى جانب حسابات استخدمت عبارات متشابهة مثل "الإضراب حق" و"صوت الساحل" و"لن نصمت". كما لاحظنا نشاطًا مكثفًا لحسابات تحمل هويات علوية عملت على إعادة نشر المحتوى نفسه بصورة متزامنة، مع التركيز على تقديم غزال باعتباره ممثل الطائفة العلوية.
مسلحو الفلول يؤيدون دعوات غزال
ومن خلال تتبعنا للتفاعل مع دعوات الإضراب، لاحظنا أن من أبرز الجهات المروجة لها شخصيات مسلحة مرتبطة بفلول النظام السابق، خصوصًا مجموعات تنتمي إلى "لواء درع الساحل". حيث أظهر أحد التسجيلات -عبر صفحة تحمل اسم "الإعلام الرسمي درع الساحل"- ملثمًا يحمل سلاحًا ويرتدي زيًا عسكريًا يدعو إلى المشاركة في الإضراب ويهاجم رافضيه، واصفًا إياهم بأنهم يسعون إلى "إرضاء الداعشي والأموي"، في إشارة إلى الحكومة السورية.
كما كشف تتبع حساباته عن صور ومقاطع أخرى يظهر فيها برفقة مسلحين، إضافة إلى ارتباطه بحسابات مركزية مقربة من "لواء درع الساحل". وفي تسجيل آخر، ظهر شخص يدعى "الكرار الكرار"، المنتمي إلى ما يعرف بمجموعة "الشايب" التابعة للواء درع الساحل، وهو يدعو بكامل عتاده العسكري إلى المشاركة في الإضراب الذي دعا إليه "غزال غزال".
ميليشيات قسد والهجري تشارك في الحملة
لم يقف الأمر عند فلول الساحل، فمن خلال تتبعنا للصفحات الداعمة لـ "غزال"، رصدنا تأييدًا من شخصيات وصفحات مرتبطة بميليشيات قسد وبعض المجموعات الدرزية. فعلى سبيل المثال، ظهر الناشط "كمال بكور"، المعروف بدعمه لقسد، في تسجيل مصور نشرته صفحة "Roj ava"، داعمًا دعوات غزال للاعتصامات والمظاهرات.
كما أعادت صفحات درزية مؤيدة لزعيم الدروز في السويداء حكمت الهجري، نشر دعوات الإضراب، من بينها صفحة "المقاومة الدرزية"، التي تحدثت عن "قضية واحدة" و"مصير مشترك" مع دعوات غزال.
ترويج إسرائيلي
تجاوز الأمر الداخل السوري، ليصل إلى دعم عدد من الشخصيات الإسرائيلية لخطاب غزال ودعواته، إذ لاحظنا دعمًا من شخصيات مثل الصحفي الإسرائيلي "إيدي كوهين"، الذي سبق أن نظم لقاءات مرتبطة بما يعرف بتحالف الأقليات في تل أبيب، وشارك فيها شخصيات علوية ودرزية تناولتها تحقيقات سابقة لـ "إيكاد".
كما رصد الفريق تقاطعًا بين خطاب "غزال" الداعي إلى الفيدرالية والحماية الدولية وبين سرديات "تحالف الأقليات" التي روجت لها شخصيات إسرائيلية خلال السنوات الماضية.
كيف تحول الخطاب؟
وهكذا، كشف تتبع فريق "إيكاد" لخطابات غزال غزال خلال عام 2025 عن مسار تصاعدي بدأ بالحديث عن المعتقلين والمظلومية الطائفية، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى الحماية الدولية والفيدرالية والدعوة إلى الاحتجاج والإضراب في ذكرى سقوط نظام الأسد.
وبالتوازي مع هذا التصاعد، أظهرت التسجيلات والمنشورات التي رصدناها التفاف بيئات رقمية حول خطابه؛ من صفحات مرتبطة بفلول النظام السابق إلى شخصيات مسلحة ومجموعات داعمة لـ "قسد" وبعض التيارات الدرزية، وصولًا إلى شخصيات إسرائيلية روجت لخطاب تحالف الأقليات.
وفي الوقت الذي كانت فيه دعوات الإضراب توصف بأنها تحرك سلمي، كانت تسجيلات الملثمين والمسلحين تنتشر بالتزامن معها، في مشهد يعكس كيف تحول خطاب غزال غزال تدريجيًا من خطاب احتجاجي إلى نقطة جذب لبيئات تعبئة طائفية ومسلحة في منطقة الساحل السوري.
وتمثل منطقة الساحل أهمية خاصة، لا سيما أنها الواجهة البحرية الوحيدة للبلاد على البحر الأبيض المتوسط، وتضم محافظتي اللاذقية وطرطوس، إلى جانب مرافئ استراتيجية أبرزها اللاذقية وطرطوس وبانياس.