قاعدة البيانات
مقال

دفعت ثلث تكاليف حملة ترامب الرئاسية.. كيف تؤثر "أديلسون" في السياسة الأمريكية؟

10/11/2024

لم يكن مبلغ 105.8 مليون دولار رقمًا عابرًا في تقارير تمويل الانتخابات الأمريكية التي فاز بها دونالد ترامب في ولايته الثانية، مع إحكام الجمهوريين سيطرتهم على الكونغرس، بل شكل مدخلًا لفهم شبكة نفوذ أوسع. وعند الشروع في تتبع هذا الرقم داخل قوائم كبار ممولي الحزب الجمهوري، لم يقدنا إلى شركة معروفة أو جماعة ضغط تقليدية مرتبطة بإسرائيل، بل إلى اسم واحد يتكرر في قلب شبكة النفوذ الممتدة بين واشنطن وتل أبيب: "ميريام أديلسون".. ومن هنا بدأ مسار التحقيق.

مرفق 01

أثر التمويل على سياسات الجمهوريين

في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أُعلن فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، متفوقًا على منافسته الديمقراطية كامالا هاريس، في سباق انتخابي وصف بأنه من الأكثر حدة في تاريخ البلاد، وذلك بالتزامن مع تصاعد غير مسبوق في التوترات بالشرق الأوسط، حيث كانت الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان في ذروتها، بينما دخلت إيران المواجهة بشكل مباشر أكثر من مرة.

وبينما كانت أنظار العالم تتجه صوب نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، كنا في "إيكاد" نتابع مسارًا مختلفًا تمامًا، لم يبدأ من صناديق الاقتراع، بل من قوائم التمويل، التي حَوَت رجال أعمال ومنظمات وشركات إسرائيلية، للتأثير المباشر في مواقف المرشحين عبر الضغط لتوجيه سياسات واشنطن الخارجية بما يتماشى مع مسار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط.

ومن داخل هذه القوائم، تتبعنا تقارير التمويل السياسي خلال عام 2024، والتي وضعت بدورها اسم "ميريام أديلسون" ضمن أكبر ثلاثة ممولين للحزب الجمهوري، وأكبر ممول داعم لإسرائيل في هذه الانتخابات.

مرفق 02 قائمة تضم أكبر ممولي الحزب الجمهوري  (Read Sludge)

ولم يكن ما وجدناه في 2024 استثناء، إذ عدنا إلى انتخابات 2012، وتتبعنا تقارير التمويل، فوجدنا أن عائلة أديلسون "Adelson" الداعمة لإسرائيل، كانت حينها أكبر ممول للحزب الجمهوري، بأكثر من 100 مليون دولار. ثم انتقلنا إلى انتخابات 2016، وكشف تحليلنا للبيانات أن تلك العائلة ضخت نحو 133 مليون دولار، أي ما يعادل 30.6% من إجمالي تمويل الحملة الجمهورية الذي بلغ 434 مليون دولار.

مرفق 03 مساهمات عائلة أديلسون في تمويل الحزب الجمهوري خلال الانتخابات الرئاسية منذ عام 2012 (إيكاد)

كما كشفت المصادر أن تبرعاتها لحملة دونالد ترامب ومجموعات الحزب الجمهوري في انتخابات 2020 ارتفعت بنسبة 23% مقارنة بعام 2016، لتصل إلى نحو 173 مليون دولار من إجمالي 1.087 مليار دولار، أي ما يقارب 16% من التمويل الكلي للحملة.

لم تكن هذه الزيادات رقمية فحسب، لكنها كشفت نمطًا واضحًا: فكلما زاد التمويل عبر السنوات، ازداد انحياز الحزب الجمهوري لليمين الإسرائيلي. هذه العلاقة تفتح بابًا للسؤال حول خلفية "أديلسون" الأيديولوجية وأجندتها الداعمة لإسرائيل، ورؤيتها للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وارتباطها بدعم الاستيطان.

شبكة اقتصادية وإعلامية ضخمة

بالبحث في قواعد بيانات مثل "Open Corporates"، وتحليلنا لسجلات الشركات، وتقارير "Bloomberg"، بدأ يتضح أن "ميريام أديلسون" ليست مجرد متبرعة سياسية. فهي طبيبة أمريكية يهودية تحمل الجنسية الإسرائيلية، وزوجة رجل الأعمال "شيلدون أديلسون"، أحد أبرز المليارديرات في الولايات المتحدة، ومالك صحيفة "Israel Hayom" الإسرائيلية اليمينية، وإمبراطورية "LAS VEGAS SANDS CORP" التي تدير كازينوهات وفنادق في الولايات المتحدة وسنغافورة ومناطق أخرى.

مرفق 04 بيانات شركة "Las Vegas Sands" من سجلات قاعدة البيانات العالمية (OpenCorporates)

وبعد وفاة "شيلدون أديلسون" عام 2021، ورثت ميريام شبكة اقتصادية وإعلامية ضخمة، إلى جانب ثروة تقدر بنحو 37 مليار دولار. لكن الأهم من ذلك، أنها ورثت دورًا سياسيًا نشطًا، فمن خلال "Adelson Family Foundation"، التي تتبعنا بياناتها، إلى جانب شبكة منظمات غير ربحية، بينها مدارس يهودية في لاس فيغاس ومؤسسات طبية لمعالجة الإدمان، بدأت الأموال تتحرك في اتجاهات تتجاوز "العمل الخيري".

دعم مطلق لإسرائيل

لم يكن فهم هذه الشبكة ممكنًا دون تفكيك جذورها الأيديولوجية؛ لذا قمنا بمراجعة أرشيف المقابلات التي أجرتها صحف أجنبية مع أديلسون على مدار العقدين الماضيين. كما تتبعنا التسريبات والبرقيات المتداولة في أروقة البيت الأبيض، والتي توصلت إليها "إيكاد" عبر "ويكيليكس"

وقد أتاح لنا ذلك رسم صورة أوضح لتوجهاتها السياسية، وكشف دور ثروتها في تعزيز التيار اليميني في إسرائيل، إلى جانب تأثيرها في ترجيح كفة مرشحين محددين في السباق الرئاسي الأمريكي، ودعم الجناح المحافظ داخل الحزب الجمهوري.

ما وجدناه لم يكن مجرد مواقف سياسية، بل رؤية متكاملة تدعم بشكل كامل السياسات اليمينية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين الذين تراهم "أمة مخترعة"، حيث تعارض حل الدولتين وتدعم الاستيطان وتمول برنامج حق الولادة في إسرائيل، كما أنها تدعم السيطرة الإسرائيلية الكاملة على القدس.

وخلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، عارضت أديلسون بشدة الاتفاق النووي مع إيران، داعية إلى توجيه ضربة نووية ضد إيران. ومن خلال رسائل بريد إلكتروني مرتبطة بهيلاري كلينتون، توصلنا إلى أن عائلة "أديلسون" أسست مجموعة ضغط (لوبي) تسمى "لجنة الطوارئ من أجل إسرائيل"، وضخت فيها عشرات الملايين لاستهداف صورة أوباما والدفاع عن نتنياهو، كما استخدمت صحيفة "Israel Hayom" كمنصة دعائية لتحقيق هذا الهدف.

مرفق 07

ثم انتقلنا إلى انتخابات 2016، وبالمقارنة بين تصريحات أديلسون ومواقف حملة ترامب الأولى، يتبين أن الدعم المالي الذي قدمته عائلة "أديلسون" لترامب كان ممهورًا بثلاثة مطالب رئيسية: الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ودعم الاستيطان في الضفة الغربية. 

وقد تحققت الشروط جميعها بعد دخول ترامب إلى البيت الأبيض في عهدته الأولى؛ حيث انسحب من الاتفاق النووي مع إيران في مايو/أيار 2018 ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس في الشهر نفسه، وتبنى موقفًا أكثر تساهلًا مع سياسات الاستيطان. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ كشفت تسريبات ويكيليكس بيع الحكومة الأمريكية مقر إقامة السفير الأمريكي السابق شمال تل أبيب لعائلة "أديلسون" مقابل 67 مليون دولار.

دعم سخي للمنظمات الداعمة لإسرائيل

وعند نقطة فاصلة من مسار التحقيق، اكتشفنا أن خمسًا من أبرز المنظمات الداعمة للاستيطان والهجرة اليهودية إلى إسرائيل تتقاطع عند ممول واحد: عائلة أديلسون. إذ كانت العائلةُ الأكثرَ سخاءً في دعم كيانات تنشط في توسيع الاستيطان وتسليح المستوطنين وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على القدس، بأكثر من نصف مليار دولار.

مرفق 08 شبكة الكيانات المرتبطة بعائلة "أديلسون"

أكبر ميليشيا إسرائيلية

بدأنا بمنظمة "HaShomer HaChadash"، المعروفة أيضًا باسم (The Suckers) أي "المصاصون"، والتي تأسست عام 2007 على يد يوئيل زيلبرمان" الضابط اليميني الإسرائيلي، ويرأسها حاليًا "رام شمويلي"، رئيس الاستخبارات السابق في سلاح الجو الإسرائيلي. وحسب البيانات المتاحة، تلقت المنظمة 6 ملايين دولار من عائلة "أديلسون" بين عامي 2019 و2021

مرفق 11 شبكة الكيانات والشخصيات المرتبطة بمنظمة "HaShomer HaChadash" (إيكاد)

تحظى المؤسسة بتأييد سياسيين إسرائيليين مثل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزيرة الاستيطان أوريت ستروك، حيث إنها تدعم توسيع الوجود اليهودي وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية والنقب والجليل، بما يشمل الدفع نحو تهجير الفلسطينيين من هذه المناطق. 

وبسبب جهودها وانتشارها، وصفتها صحيفة "هآرتس" بأنها "أكبر ميليشيا إسرائيلية"، حيث يزيد عدد المتطوعين فيها عن 120 ألف إسرائيلي، وقد حصلت على دعم بحوالي 13.5 مليون دولار من وزارة الاستيطان. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن متطوعيها تورطوا -حسب توثيق تقارير متعددة- في أعمال عنف استهدفت فلسطينيين في الضفة الغربية.

وبعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، رصد الفريق توسعًا كبيرًا في نشاطها، شمل تسليح آلاف الإسرائيليين، وتسيير دوريات على جانبي الخط الأخضر، وإعادة بناء مستوطنات غلاف غزة، وإنشاء مدارس صهيونية قرب القطاع في 2024، كما أنها تعهدت بتوفير نحو 15 ألف نوبة حراسة لتأمين المستوطنات في الضفة الغربية.

الاستحواذ على المواقع الأثرية في القدس

ثم انتقلنا إلى "Ir David Foundation" أو "ELAD"، وكشف تتبعنا لمسارات التمويل أن المنظمة تلقت 3 ملايين دولار عام 2018 من عائلة أديلسون دعمًا لأنشطتها. ومن خلال تحليل أنشطة المنظمة ومراجعة تسريبات استخباراتية ومصادر مفتوحة، تبين أنها تنشط في توطين عائلات يهودية داخل البلدة القديمة في القدس، وترويج السياحة الدينية اليهودية، إلى جانب تنفيذ حفريات وشق أنفاق قرب الحرم المقدسي للتنقيب عن آثار يهودية، مع تحويل هذه المواقع إلى مزارات سياحية دينية.

مرفق 12 شبكة المنظمات والشخصيات المرتبطة بـ "Ir David Foundation" (إيكاد)

ومنذ تأسيسها عام 1986، عملت "ELAD" على الاستحواذ على عشرات المنازل والعقارات الفلسطينية في القدس الشرقية وحفرها أنفاقً تحت منازل الفلسطينيين ومسجد "مجمع سلوان" في القدس، حسبما كشفته تسريبات ويكيليكس وتقارير صادرة عن مراصد متخصصة في رصد الاستيطان والتلاعب القانوني. كما كشف التتبع أن المنظمة وسعت نفوذها لاحقًا، لتستحوذ بحلول عام 2016 على مواقع أثرية داخل البلدة القديمة، وتديرها فعليًا بالنيابة عن الحكومة الإسرائيلية، في حين لا تخضع أنشطتها لرقابة حكومية مباشرة.

مواجهة الأنشطة الطلابية والشعبية المناهضة لإسرائيل

وضمن رصدنا لشبكة التمويل، برز اسم "المجلس الإسرائيلي الأمريكي - Israeli-American Council"، باعتباره أحد أهم مفاصل النفوذ في واشنطن. وقد قدمت له عائلة "أديلسون"، عام 2018، منحة تتجاوز 12 مليون دولار.

مرفق 13 شبكة المنظمات والشخصيات المرتبطة بـ "المجلس الإسرائيلي الأمريكي" (إيكاد)

يعمل المجلس، الذي أسسه رجال أعمال إسرائيليون عام 2007، كمجموعة ضغط تستهدف نقل أجندات سياسية إلى الداخل الأمريكي. وقد تصاعد نشاطه بشكل لافت بعد العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2023، حيث انخرط في ممارسة ضغوط على مؤسسات أمريكية للتضييق على الاحتجاجات المناهضة للإبادة الإسرائيلية داخل الجامعات.

كما قاد المجلس حملات إعلامية منظمة لتعزيز الرواية الإسرائيلية ومواجهة تصاعد التعاطف مع الفلسطينيين في الأوساط الطلابية، بالتوازي مع دعم وتمويل منظمات مثل "Israel on Campus Coalition"، التي تنشط في رصد وتتبع الطلاب المؤيدين للفلسطينيين، في سياق حملات تشهير منسقة بالتعاون مع وكالات الاستخبارات الإسرائيلية.

وبالتعاون مع ذراعه السياسي "IAC for Action"، ضغط المجلس على المستوى الفيدرالي لمواجهة حركة المقاطعة "BDS" وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، في مسعى لتجفيف مصادر دعمها ووقف تمددها داخل الولايات المتحدة.

تكريس الاستيطان الديموغرافي

قادنا البحث إلى رقم تمويلي استثنائي؛ بلغت قيمته نصف مليار دولار وزعت على دفعات بدءًا من عام 2006.كان هذا المبلغ من نصيب "مؤسسة حق الولادة في إسرائيل - Birthright Israel Foundation"، التي تنشط في تشجيع هجرة اليهود إلى إسرائيل عبر تنظيم رحلات مجانية من مختلف دول العالم، كما تدعم منح الجنسية لليهود غير الإسرائيليين، وتتبنى مواقف مؤيدة للسياسات الأمنية المتشددة لحماية المستوطنات، وبطبيعة الحال ترفض حل الدولتين.

الجدير بالذكر أن المنظمة تأسست وبدأت أنشطتها منذ عام 1999 على يد "مايكل شتاينهارت"، الملياردير الأمريكي اليهودي، صاحب العبارة الشهيرة  "إسرائيل هي الدولة الأكثر أخلاقية على هذا الكوكب". 

وخلال العقدين الماضيين، وسعت المنظمة انتشارها داخل الولايات المتحدة وكندا بشكل لافت، إذ افتتحت عشرات الفروع الجديدة آخرها كان في 2017 في أمريكا، ولا يزال 22 فرعًا من فروعها الإجمالية نشطًا حتى اليوم. ومما لوحظ أن تضاعف البنية التنظيمية تزامن مع تدفق تمويل أديلسون، ما يشير إلى دور مباشر في تسريع وتيرة أنشطة المنظمة، بما يخدم أجندة التيار اليميني الإسرائيلي، لا سيما فيما يتعلق بتعزيز الهجرة وتثبيت الوجود الإسرائيلي في القدس.

مرفق 17

دعم التوسع الاستيطاني 

وضمن شبكة التمويل التي تتبعناها، برز اسم منظمة "One Jerusalem" كأحد الأذرع النشطة في هذا المسار. وكسابقاتها، تتبنى المنظمة التي تأسست عام 2000 توجهًا يمينيًا متطرفًا، إذ تعارض "حل الدولتين"، وتدعم السيادة الإسرائيلية الكاملة على القدس، وتدعو إلى اعتبار القدس عاصمة حصرية لإسرائيل. 

مرفق 18 شبكة المنظمات والشخصيات المرتبطة بمؤسسة "One Jerusalem" (إيكاد)

تتركز أعمال المنظمة على دعم التوسع الاستيطاني داخل القدس الشرقية، خصوصًا في الأحياء ذات الأغلبية الفلسطينية، بالتوازي مع قيادة حملات ضغط سياسي وإعلامي وتنظيم مسيرات ضد "تقسيم القدس" أو إبقاء أجزاء منها تحت إدارة فلسطينية.

وبتتبع قياداتها تبين أن ثلاثة من أبرز أعضائها ينتمون إلى التيار اليميني المتطرف في إسرائيل؛ أولهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وثانيهم مدير المنظمة المعروف بمواقفه المتشددة، ناتان شارانسكي، ويعلن باستمرار رفضه لاتفاقيتي أوسلو وكامب ديفيد، كما أنه استقال من منصبه كوزير عام 2006 اعتراضًا على الانسحاب الإسرائيلي من غزة.

مرفق 19

دعم جيش الاحتلال الإسرائيلي

كذلك قدمت عائلة "أديلسون"، خلال عام 2020، 11 مليون دولار لمنظمة "أصدقاء الجيش الإسرائيلي - Friends of the Israel Defense Forces"، التي تضم شبكة من الحاخامات والسياسيين ورجال الأعمال والعسكريين السابقين، وتعمل كذراع يقدم دعمًا ماليًا واجتماعيًا لمنتسبي جيش الاحتلال الإسرائيلي وذويهم.

الاستثمار في الإسلاموفوبيا

لم يقتصر تمويل "أديلسون" على دعم المنظمات المرتبطة بالاستيطان أو الضغط السياسي، بل امتد ليشمل كيانات تساهم في تشكيل الصورة الذهنية عن العرب والمسلمين في الغرب. ففي عام 2018، قدمت أكثر من مليون دولار لمعهد الشرق الأوسط للإعلام والبحوث "MEMRI"، المعني برصد المحتوى الإعلامي العربي المتعلق باليهود وإسرائيل وترجمته للجمهور الغربي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المعهد تأسس عام 1998، وأن مؤسسه، ييغال كارمون، كان ضابطًا في الاستخبارات الإسرائيلية.

مرفق 20 شبكة المنظمات والشخصيات المرتبطة بمعهد الشرق الأوسط للإعلام والبحوث "MEMRI" (إيكاد)

كما أن البحث المعمق أظهر أن أنشطة المعهد في رصد وترجمة المحتوى العربي لم تكن حيادية، بل انتقائية. فبحسب تقارير صادرة عن مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "CAIR" كشفت نمطًا من الترجمة الانتقائية التي يقوم بها المعهد، تبين أنها تصب في تعزيز صورة سلبية عن العالمين العربي والإسلامي، من خلال ربطهما بخطابات التطرف والإرهاب.

وأخيرًا، قد يتقاطع هذا الدور مع ما وثقته صحيفة "نيويورك تايمز"عام 2012، إذ كشفت عن مساهمة أديلسون في تمويل حملات إعلامية مناهضة للمسلمين؛ من بينها فيلم "The Third Jihad"، الذي قدم صورة تربط المسلمين بالإرهاب.

مرفق 21

من يتحكم في السياسة الأمريكية؟

بالوصول إلى هذه النقطة، يكون تحقيقنا قد تتبع مسار أكثر من مليار دولار بذلتها عائلة "أديلسون" للتأثير في السياسة الخارجية الأمريكية، سواء كان ذلك بشكل مباشر من خلال الدعم السخي المشروط للحزب الجمهوري الأمريكي، أو بشكل غير مباشر عبر تمويل مجموعات ضغط بارزة، تتبنى سياسات متشددة مناهضة للفلسطينيين.

وبهذه الصورة أو تلك، تركز التمويل الذي تقدمه العائلة على دعم سياسة خارجية أمريكية داعمة لإسرائيل بشكل شبه مطلق، وكان من الملاحظ أن سياسات الحزب الجمهوري تزداد قربًا من اليمينيين الإسرائيليين كلما زاد دعم "أديلسون"، وقد حدث ذلك -كما أسلفنا- في ولاية ترامب الأولى. 

وفي ضوء عودته إلى البيت الأبيض، واستمرار دعم "أديلسون" له، تتصاعد التساؤلات حول شكل السياسة التي ستنتهجها إدارة ترامب الثانية، لا سيما فيما يتعلق بالسياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط.

ما توصل له هذا التحقيق يعيد التساؤل حول الدور المتنامي للأثرياء في تحديد السياسات الأمريكية، على الصعيدين الداخلي والخارجي، فبعد أن كانت مساهمات أغنى 100 أمريكي في الانتخابات الفيدرالية الأمريكية لا تتجاوز 0.25% من إجمالي الإنفاق الانتخابي مطلع العقد الجاري، إذ بها تقفز لتشكل وحدها نحو 7.5% بحلول عام 2024، الأمر الذي يثير المخاوف من تحول الديمقراطية الأمريكية إلى "أوليغارشية" تتحكم فيها الثروة والقوة بشكل متزايد، حسب وصف "واشنطن بوست".