"إيكاد" تكشف شبكة من فلول نظام الأسد ضمن نخبة مقاتلي قسد
في العشرين من يوليو/ تموز 2025، رفع شاب وسط مسيرة في الحسكة رايةً تحمل شعار العلويين، فيما كانت رايات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الصفراء تحيط به، وصور زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان تعلو المكان. جاء هذا المشهد في مظاهرة أُقيمت بمناسبة الذكرى السنوية لتسليم نظام الأسد الشريط الحدودي في الجزيرة وعين العرب وعفرين لوحدات الحماية الشعبية (YPG)، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK).
اسم ذاك الشاب علي أسعد، ويُكنّى بـ "أبو باسل". ينحدر من قرية عين الشرقية في ريف جبلة على الساحل السوري، وهي -بالمناسبة- ذات القرية التي ينتمي إليها "بسام حسام الدين"، المسؤول عن عملية اختطاف عناصر من الأمن العام التابع للإدارة السورية الجديدة بعد أسابيع من سقوط نظام الأسد.
ما يلفت الانتباه هنا أن أبو باسل ظهر بزي عسكري كامل عقب أيام معدودة من سقوط النظام في ذات المناطق التي حدثت فيها تلك العملية، وما أعقبها من اشتباكات بين عناصر النظام السابق والقوات الأمنية التابعة للإدارة السورية الجديدة، وهو ما يجعل من انتمائه لقوات النظام السابق احتمالًا ذا وجاهة. فكما يظهر -من حساب أبو باسل- أن له علاقة بشخص يدعى "أسامة الدموي"، والذي تبين -كما سيتضح لاحقًا- أنه كان منتميًا لقوات النظام السابق.
وقد أثار انتباه فريق التحقيقات في "إيكاد" الارتباط العسكري السابق بنظام الأسد والانضواء الحالي تحت لواء قسد، وهو ما قادنا إلى فتح ملف تحقيقي بدأ من حساب "أبو باسل"، ووصلنا من خلاله إلى شبكة من المقاتلين العلويين الذين انتقلوا من صفوف الأسد إلى معسكرات قسد، بل إلى قوات النخبة فيها
عشرة أيام بعد سقوط نظام بشار
بدأت القصة قبل مسيرة الحسكة بشهور، ففي 19 ديسمبر/ كانون 2024 — أي بعد 10 أيام فقط من وصول فصائل الثورة إلى دمشق — نشر علي أسعد "أبو باسل" صورته الأولى بعد سقوط النظام السابق، وكان يقف آنذاك إلى جانب شخص يدعى "أسامة الدموي"، مرتديًا ثيابه المدنية، فيما يرتدي أبو باسل زيًا عسكريًا ميدانيًا كاملًا.
ستة أشهر مرّت قبل أن يظهر أبو باسل بدوره مسلحًا. لكنه حين ظهر، كان قد غادر الساحل قاطعًا سوريا إلى طرفها الآخر. ففي 30 يونيو/ حزيران 2025، نشر صورةً يرتدي فيها البزة العسكرية الخاصة بقسد، وعلى صدره شعار قوات الكوماندوز وبكامل عتاده العسكري. وبالمقارنة بين زيه وزي مقاتل آخر ظهر في فيديو رسمي لتحركات الكوماندوز، تبين وجود تطابق بينهما. وكما ذكرنا، كان حساب أبو باسل على "إنستغرام" المفتاح الذي فككنا به شيفرة الشبكة.
كذلك يعد أسامة الدموي – الذي كان يقف إلى جانب علي أسعد "أبو باسل" في صورته الأولى بعد سقوط النظام السابق – أحد أهم مفاتيح الشبكة، فهو صاحب صورة من عام 2020 تظهر انخراطه ضمن قوات النظام، كما أن توقيت الصورة والتعليقات عليها تشير إلى احتمالية مشاركته في معارك نظام بشار ضد قوات المعارضة في إدلب. وبتحليل حسابه، توصلنا إلى عدد من عناصر الشبكة التي رصدتها "إيكاد" في هذا التحقيق.
أبناء قرية واحدة
أول من قاد إليه التتبع كان ابن عم "أبو باسل"، علي أسعد "أبو حسين"، هو الآخر من قرية عين الشرقية. وحين رفع أبو باسل راية العلويين في مسيرة الحسكة، علّق أبو حسين على المقطع بعبارة "ابن العم الروح"، في إشارة إلى صلة القرابة والتواصل بين الرجلين.
سبق أبو حسين ابن عمه إلى الظهور العلني بالزي العسكري بشهر كامل؛ ففي 29 مايو/ آيار 2025، ظهر بالزي الخاص بقسد حاملًا سلاحه، وإلى جانبه شخص يدعى أوس الدموي، الذي تربطه قرابة بأسامة الدموي — يحتمل أنه شقيقه — وصداقة قديمة بأبناء عمومة آل الأسعد. وثمة صورة جمعت أوس بأبو باسل تعود إلى 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، أي قبل سقوط النظام السابق بأسابيع. وتكشف هذه الصورة أن العلاقة بين بعض أعضاء الشبكة سبقت انتقالهم إلى مناطق قسد. وبتتبع منشورات أوس وتعليقاته على إنستغرام، تبيّن انتماؤه إلى قوات الكوماندوز في قسد.
أما العنصر الخامس، علاء ديبة، فهو أيضًا من القرية ذاتها. صورته الأبرز تعود إلى الأول من يوليو/ تموز 2025، ظهر فيها ثلاثة من أبناء عين الشرقية في إطار واحد — أبو حسين، وأوس الدموي، وعلاء ديبة. ثلاثتهم بزي عسكري موحّد لقسد، وثلاثتهم يحملون السلاح.
وبالبحث تفرعت الشبكة، إذ رصد الفريق صورة مقاتل سادس من ذات القرية، وهو علي حبابة، يظهر فيها بزي تمويه يشبه زي القنّاصة الخاص بقسد — وهي رتبة لا تُمنح إلا بعد تدريب متقدم. كما يكشف أرشيف حسابه على فيسبوك وتفاعلاته ارتباطاته بمجموعات الفلول في الساحل؛ مثل "مضر علي" و"ميلاد فتيحة"، المرتبطين بـ "لواء درع الساحل" التابع لمقداد فتيحة، ومقاتلين آخرين كشفت عنهم "إيكاد" في تحقيقات سابقة.
ظهر حبابة ملثمًا بكامل عتاده العسكري، في مارس/ آذار 2025، أي بعد ثلاثة أشهر من سقوط نظام الأسد، وهو ما قد يمثل قرينة تشير إلى احتمالية انخراطه في أنشطة فلول النظام السابق العسكرية ضد الأمن العام التابع للحكومة السورية.
وقد يعزز من هذا الاحتمال ما نشره من منشورات ينعى فيها قادة عسكريين تابعين للنظام السابق في منطقة عين الشرقية، على رأسهم بسام حسام الدين -الذي ذكرنا آنفًا دوره في عمليات اختطاف عناصر الأمن العام- وجعفر سعيد، إضافة إلى نعيه في 15 يناير/كانون الثاني مقاتلًا آخر يدعى علي ديب، كان ناشطًا ضمن ميليشيا "لواء درع الساحل".
رصدنا كذلك حسابًا باسم "هڤال جانو اللاذقية"، وهو علوي من ساحل اللاذقية، كان قد شارك في عرض عسكري نظمته قسد في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 بمناسبة ذكرى السيطرة على الرقة، ونشر صورًا من داخل غرفة عسكرية مليئة بالدلالات والإشارات؛ مثل صور القيادي الكردي عبد الله أوجلان على الجدران، وراية وحدات حماية الشعب الكردية، مع شعار الكوماندوز، بالإضافة لأسلحة وقذائف RPG.
ملخّص الشبكة
إذن، مما سبق يتضح أن ستة من أصل سبعة ينحدرون من قرية واحدة، وبينهم صلات قرابة ونشاط مشترك؛ فأبو حسين ابن عم أبو باسل، ويرجّح أن أوس الدموي قريب لأسامة الدموي، فيما تُظهر الصور والتفاعلات العلاقة الوثيقة بين أفراد الشبكة. وهذا التركّز يُرجِّح أن انتقالهم كان عبر شبكة قائمة قبل سقوط النظام السابق تحرّكت بطريقة منظمة بعده.
متى وكيف وصلوا من الساحل إلى مناطق قسد؟
بالعودة إلى أرشيف حساب "أبو حسين" — أول من ظهر بزي قسد العسكري في 29 مايو/ أيار — تمكّن الفريق من تحديد الفترة المرجحة لمغادرته الساحل. حيث كان آخر ظهور علني له في الساحل بتاريخ 7 أبريل/ نيسان 2025، في صورة جمعته بصديق مقرّب. وأول تأكيد على غيابه جاء في 24 أبريل/ نيسان، حين نشر الصديق نفسه صورةً كتب عليها "اشتقتلك" — ما يُشير إلى افتراقهما في تلك الفترة وانتقال أبو حسين إلى مناطق قسد.
وفي 19 مايو/ آيار 2025، نشر أسامة الدموي صورًا له قديمة من مقهى يدعى "Carrot"، لكن اللافت فيها كان تعليق أوس الدموي على المنشور، إذ استخدم كلمة "هافال" — وهي مفردة كردية تعني "الرفيق" وتُستخدم في الأوساط الكردية المسلحة أو السياسية، ما يشكل قرينة إضافية على بداية تماس الشبكة مع أوساط قسد في تلك الفترة.
أما بخصوص كيفية الانتقال والوصول من الساحل إلى شمال شرقي روسيا، فقد رسم فريق التحقيقات لدى "إيكاد ثلاثة سيناريوهات محتملة، عبر تحلليل أرشيف حسابات الشبكة وتعليقاتها وتفاعلاتها.
يربط السيناريو الأول الانتقال بالتحركات الروسية؛ فبالتزامن مع إعادة التموضع العسكري الروسي الذي تلا سقوط نظام بشار — والذي وثّقته "إيكاد" في تحقيق سابق عبر رحلات شحن جوية بين قاعدة حميميم والقامشلي — ويُحتمل أن بعض الفلول انتقلوا مع تلك الأرتال.
في حين يتمثل السيناريو الثاني في انتقالهم عبر طريق بري مباشر من الساحل إلى مناطق قسد، مستغلين ضعف التدقيق الأمني بعد سقوط نظام بشار. أما السيناريو الثالث فيمر عبر لبنان ثم أربيل في إقليم كردستان العراق، ومنها إلى مناطق قسد. إحدى القرائن على هذا السيناريو تتمثل في منشور لـ "أبو حسين"، في 10 مايو/ آيار 2025، إذ شكر فيه أحد الأشخاص المنحدرين من ذات القرية، مشيرًا إلى جهوده في مساعدة المجموعة. والأهم كان تعليق الشخص الذي شكره، على المنشور: "عيني ربكن اخواتي، ملوك أربيل والعراق". وهذه الكلمات تظهر احتمالية وجود محطّتين في رحلة الشبكة: العراق وأربيل.
ما الذي تعنيه هذه الشبكة
يشار إلى أن تقارير إعلامية تحدثت عن وجود مجموعات تابعة للنظام السابق ضمن صفوف قسد، لكن ذلك كان يأتي على شكل أخبار أو تقارير مبنية على تصريحات مسؤولين أو شهادات ودلائل متفرقة، دون وجود أدلة ميدانية واضحة. وهو ما قمنا به في هذا التحقيق؛ إذ رصد فريقنا أفرادًا بعينهم، وجدنا مؤشرات على ارتباطهم بـ "فلول نظام بشار"، وتتبع روابطهم العائلية والرقمية، وأثبت ارتباطهم السابق بجيش بشار، ثم ظهورهم بزي قسد والكوماندوز بعد سقوط نظامه.
يشار إلى أن وسائل الإعلام تحدثت عن أن المنتقلين من الساحل لمناطق قسد وُزعوا على مواقع عدة؛ بينها جبل عبد العزيز وفوج الميلبية والشدادي والرميلان والمساكن، وهو ما سيتم إثباته في تحقيقنا القادم، الذي سيرسم خريطة حركتهم بين القامشلي والحسكة وعين العرب والرقة.