ما علاقة رجل الأعمال الإسرائيلي الذي قتل في الإسكندرية بالاستيطان؟
في الثامن من مايو/ آيار 2024، تداولت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي خبر مقتل رجل الأعمال الإسرائيلي "Ziv Kipper"، الحامل للجنسيتين الأوكرانية والكندية، في مدينة الإسكندرية بمصر.
وبتتبع أصل القصة، وجدنا أن منشأ الخبر كان قناة أنشئت حديثًا على تطبيق "تيليغرام"، وسمت نفسها: "مجموعة الشهيد محمد صلاح طلائع التحرير"، في إشارة إلى الجندي المصري الذي نفذ في يونيو/ حزيران 2023، عملية استهدفت نقطة حراسة إسرائيلية قرب معبر نيتسانا (معبر العوجة)، ما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين.
إذ نشرت المجموعة، في السابع من مايو/ آيار 2024، بيانًا تبنّت فيه عملية قتل "زيف كيبر"، ووصفته بأنه "عميل إسرائيلي" يجمع المعلومات ويجنّد العملاء لصالح الموساد. لافتة إلى أن العملية جاءت ردًا على المجازر الإسرائيلية في غزة، وأنها تمَّت بعد رصدٍ وتحرٍّ دقيقَين أثبتا صلة "كيبر" بالموساد.
وفي اليوم التالي، بثَّت المجموعة مقطعًا مصوَّرًا للعملية مدته 19 ثانية، ظهر فيه شخص مجهول يطلق الرصاص على سائق سيارة قائلًا: "شالوم من أبناء غزة"، ويتركه قتيلًا داخل سيارته.
وفي الحادي عشر من مايو/ آيار 2024، نشرت المجموعة نفسها على "تلغرام" مقطعًا مصوَّرًا جديدًا مدته أربع دقائق و11 ثانية، بيّنت فيه مزيدًا من تفاصيل العملية التي نفذتها، وكشفت تفاصيل رصد تحركات كيبر بمصر وخارجها، ووثَّقت زياراته لبلدان عديدة؛ من بينها مصر وإسرائيل والأردن وبلغاريا وأوكرانيا، وكذلك تركيا وباكستان والسعودية وألمانيا. كما أشارت المجموعة في المقطع إلى أنها تمكنت من اختراق هاتف القتيل والوصول لمعلومات أثبتت أن نشاطه التجاري ما هو إلا غطاء لنشاط تجسسي يشتمل على جمع المعلومات، وتجنيد مصريين لصالح جهاز الموساد.
وفي مقابل هذه السردية، نشرت عدة صحف ووسائل إعلام إسرائيلية وغربية مقالات دعمت رواية أخرى تشير إلى أن كيبر قُتل في مصر لأسباب تتعلق بمعاداة السامية، في نفي غير مباشر للدعاوى التي أشارت لارتباطه بالحكومة والجيش الإسرائيليين، أو انخراطه في أنشطة داعمة للمصالح والممارسات الإسرائيلية. ومن بين تلك الصحف التي سوقت هذه الرواية "The Globe and Mail" و"Mivzak Live" و"Jewish News Syndicate" و"The Times of Israel" و"Cleveland Jewish News"، وغيرها.
لكن فريق "إيكاد"، وعبر هذا البحث المعمَّق، يكشف جانبًا آخر غيبته رواية "معاداة السامية"، ويُميط اللثام عن تعاون وثيق بين "زيف كيبر" وحكومة الاحتلال، كتبنّيه الأجندة الاستيطانية الإسرائيلية بالكامل، من خلال مشاريع البنى التحتية ودعم مساعي هجرة اليهود إلى إسرائيل، إضافة إلى دوره في تقديم دعم مالي ولوجستي للحكومة والجيش الإسرائيليين، وتنشيط التجنيد العسكري.
من هو "زيف كيبر" قتيل الإسكندرية؟
"زيف كيبر" رجل أعمال أوكراني المولد، حامل للجنسيتين الكندية والإسرائيلية، نشأ في تورنتو بكندا، حيث حصل على البكالوريوس في إدارة الأعمال الدولية من جامعة "Seneca Polytechnic" أوائل ثمانينيات القرن الماضي.
يملك كيبر شركة "O.K Group" التي تأسست عام 2008، وتتخذ من مدينة الإسكندرية مقرًا رئيسيًا لها، ولها فروع في أوكرانيا وإسرائيل، وهي متخصصة في تجارة وتصدير الفحم والخضراوات والفواكه المجمدة، ويتفرع عنها أربع علامات تجارية هي: (O.K Frozen، Egypt Frozen، Egypt Fruits، وO.K Charcoal)".
بدأ كيبر عمله في مصر منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، لكنه عاد للإقامة في إسرائيل في يناير/ كانون الثاني 2015، ورغم ذلك ظل يتردَّد على مصر -وتحديدًا على الإسكندرية حيث مقر شركته- خلال الفترة اللاحقة.
كيبر يُفصح عن نفسه
بمراجعة أرشيف حساب كيبر على "فيسبوك" بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وجدنا أنه نشر العديد من المنشورات الداعمة للحرب على غزة، حيث وصف حماس بـ "الإرهاب"، وأيّد استهداف المستشفيات والمراكز الصحية. فبتاريخ الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أي بعد انطلاق "طوفان الأقصى" بيوم، شبَّه كيبر في منشور على "فيسبوك" عملية "طوفان الأقصى" بالغزو الروسي لأوكرانيا.
وفي الخامس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول، شارك كيبر مقطعًا مصوَّرًا تضمَّن إساءة لدين الإسلام، ووصف فيه حركة حماس بأنها "إرهابية إسلامية متطرّفة"، وشبَّهها بتنظيم "داعش" و"القاعدة" وحركة "طالبان".
وبتاريخ السابع والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول، شارك مقطعًا مصوَّرًا آخر بثَّه إعلام الجيش الإسرائيلي بعنوان "Hamas Kids Terrorist Training Camps"، أي "مخيمات تدريب أطفال حماس الإرهابيين"، كنوع من التبرير لقتل الأطفال.
وفي الثامن والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول، شارك "كيبر" جزءًا من مقابلة أجراها الإعلام العسكري للجيش الإسرائيلي مع أسرى فلسطينيين، عنوانها "The hospitals, most of them are hidden in the hospitals"؛ تضمَّنت اعترافات فلسطينيين قالوا بأنهم من قيادات حماس، وبأن مخازن الأسلحة والمئات من قادة المقاومة يختبئون داخل مشافي غزة وخاصة مشفى الشفاء. ولم تكن هذه المقابلة إلا جزءًا من الحملة الإعلامية الإسرائيلية الداعمة لاستهداف المشافي بحجة احتوائها على مخازن للأسلحة واتخاذها كمخابئ للمقاومة.
أرشيف أنشطة رجل الأعمال الإسرائيلي ورحلاته يكشف علاقته بإسرائيل
كشف تحليل البيانات المستخرَجة من حسابات كيبر بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي أنه قام بأكثر من 274 رحلة موثَّقة بين مارس/ آذار 2014 ويناير/ كانون الثاني 2024، شملت 19 دولة بينها الإمارات والأردن وإسرائيل وأوكرانيا. وجاءت مصر في المرتبة الأولى بـ 134 زيارة، تلتها إسرائيل بـ80 زيارة، ثم أوكرانيا بـ15 زيارة، فيما كانت آخر زيارة مُعلَنة وموثَّقة لإسرائيل في يونيو/ حزيران 2019.
وقد شهدت الفترة بين يناير/ كانون الثاني .. وديسمبر/ كانون الأول 2016 أعلى معدل موثق لرحلات تنقّله بين مصر وإسرائيل، قبل أن يستقر في مصر بعدها. وتتطابق هذه النتائج مع ما تضمَّنه مقطع "الفيديو" الذي نشرته المجموعة وأشار إلى تنقلات وصفتها بالـ "مشبوهة" بين عدة دول على رأسها الأردن وإسرائيل ومصر وأوكرانيا وألمانيا.
أما الغرض من تلك الرحلات المتكرّرة، فقد كشفه أرشيف حساب كيبر على "لينكد إن"؛ إذ وجدنا علاقات تجمعه بشخصيات إسرائيلية صادقت على مهاراته الشخصية، أحدها يُدعى "אורי אהלי / Uri Oholy"، ويُعرِّف نفسه على صفحته بأنه "ممثل خاص لمؤسسة Keren Hayesod-UIA الخيرية"، ويقيم في إسرائيل.
وبالبحث في خلفية مؤسسة "Keren Hayesod-UIA"، تبيَّن أنها منظمة يهودية تجمع التبرعات لدعم التعليم اليهودي ومساعدة اليهود الفقراء في أوكرانيا، بحسب لقاء أجرته صحيفة "The Globe and Mail" الأمريكية مع Uri Oholy نفسه.
وخلال اللقاء نفسه، أشار أوهولي إلى أن كيبر كان صديقه لأكثر من 15 سنة، وأنه كان "داعمًا بشكل هائل لإسرائيل والمجتمعات اليهودية في أوكرانيا"، و"أحد المتبرّعين المُخلصين لمشاريع المنظمة".
إذن، كان كيبر أحد ممولي منظمة "Keren Hayesod-UIA" الرئيسيين، ولكن هل كانت أموال هذه المنظمة تذهب إلى دعم تعليم اليهود ومساعدة فقرائهم في أوكرانيا فقط، كما زعم "أوري أوهولي" Uri Oholy في لقائه مع الصحيفة، أم أن أنشطتها تتعدّى ذلك؟
أنشطة منظمة "Keren Hayesod-UIA"
قادنا البحث المعمَّق الذي أجريناه حول المنظمة إلى أنها مسجَّلة وتتمتع بقانون الحماية في ثلاث دول (بريطانيا ونيوزيلندا وإسرائيل) منذ تأسيسها في فبراير/ شباط 1956، وهي مسؤولة بشكل رئيسي عن جمع التبرعات لصالح إسرائيل في أكثر من 45 دولة، عبر أكثر من 57 حملة. وقد عرَّفت نفسها على موقعها بأنها "ذراع إسرائيل الأبرز" حول العالم لجمع التبرعات، وأنها الداعم الأول لمشروع "Aliyah" — أي "هجرة اليهود من دول الشتات إلى إسرائيل".
وبالتوازي مع تمويلها مشروع "Aliyah"، تبين أن منظمة "Keren" تمول برامج ومشاريع أخرى مرتبطة بشكل مباشر بالجيش الإسرائيلي. أحد أهم هذه المشاريع هو "Lone Immigrants Soldiers" (الجنود المهاجرون الوحيدون)، الذي يهدف إلى دعم جنود الجيش الإسرائيلي الشباب الحاملين لجنسيات أخرى ممَّن انتقلوا إلى إسرائيل في سن الخدمة العسكرية، حيث يشتمل الدعم المقدم على توفير فرص عمل، وتقديم منح مالية لمساعدتهم على الاندماج.
وهناك أيضاً مشروع "Mechinot" (أكاديميات القيادة قبل العسكرية)، الذي يهدف إلى تأهيل الشباب من الفئات المُصنَّفة بأنها عرضةً للخطر داخل إسرائيل مثل (الدروز والبدو والجنود المهاجرين الوحيدين، والمراهقين الأثيوبيين، واليهود الأرثوذكس). يشتمل التأهيل على دورات تعليمية تحضيرية لتعميق التزامهم تجاه المجتمع اليهودي والدفاع عن إسرائيل وتجهيزهم للخدمة العسكرية.
تدعم المنظمة أيضًا مشروع "Urban and Rural Communities Establishment" (بناء المستوطنات)، وهو متخصص بشكل رئيسي في بناء المستوطنات للإسرائيليين داخل الأراضي المحتلَّة. وبحسب نتائج البحث، موَّلت المنظمة منذ تأسيسها مشاريع بناء أكثر من 900 مستوطنة والبنى التحتية الصناعية والتجارية والتعليمية المصاحبة لها في عموم الأراضي الفلسطينية المحتلَّة. كما ترعى المنظمة مشروع "Development of National and Public Organization" المعني بتمويل مؤسسات حكومية إسرائيلية عديدة؛ مثل الخطوط الجوية الإسرائيلية "EL AL"، والجامعة العبرية، والجمعية الموسيقية الوطنية "The Israeli Philharmonic".
تجمع منظمة "Keren" التبرعات من رجال الأعمال اليهود والإسرائيليين، وتعقد فعاليات دورية حول العالم، إضافة إلى مؤتمر سنوي في إسرائيل لتكريم قادة إسرائيل. اللافت أن المنظمة قدَّمت في حفلها السنوي، الذي أقيم في 16 أبريل/ نيسان 2018، جائزة "إشيعيا" لـ"بنيامين نتنياهو" رئيس الوزراء الإسرائيلي. وهي جائزة تقدمها المنظمة حصريًا للقادة الذين يُسْدون خدمات كبيرة لإسرائيل. وخلال الكلمة التي ألقاها نتنياهو في المؤتمر ذاته، أشار إلى أن "منظمة Keren قدَّمت منذ عقود طويلة -ولا تزال- دعمًا كبيرًا لإسرائيل، لا سيما في مشاريع التهجير والاستيطان، وصناعة مستقبل إسرائيل"، حسب توصيف نتنياهو.
دور المنظمة في دعم الإبادة بغزة
تُعرّف منظمة "Keren" نفسها على موقعها الإلكتروني بأنها واحدة من أكبر أربع منظمات صهيونية عالمية، تقدم الدعم للمشروع الصهيوني واليهود حول العالم، بجوار كل من "المنظمة الصهيونية العالمية" و"الوكالة اليهودية لإسرائيل" و"صندوق التمويل القومي اليهودي".
تحظى المنظمة بنفوذ بغطاء وعلاقات رفيعة مع قادة الاحتلال الإسرائيلي، حيث تربط "سام غروندويرغ" الرئيس العالمي للمنظمة علاقة وثيقة بكل من إسحاق هرتسوغ، الرئيس الإسرائيلي، ونتنياهو رئيس الوزراء. إضافة لذلك، يرتبط «ستيفن لوي» رئيس مجلس أمناء المنظمة بعلاقة وثيقة مع مسؤولين إسرائيليين.
وتجدر الإشارة أن "ستيفن لوي" هو ابن "فرانك لوي" أحد قادة منظمة الهاغاناه العسكرية الصهيونية المتطرفة، المسؤولة عن ارتكاب عمليات تطهير عرقي بحق الفلسطينيين عام 1948، والموصوفة بالتنظيم الصهيوني العسكري الأكثر إرهابًا خلال القرن الماضي، والتي أصبحت لاحقًا نواة الجيش الإسرائيلي بعد إعلان قيام إسرائيل عام 1948
ومنذ بدء معركة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحتى منتصف يناير/ كانون الثاني 2024، قدَّمت المنظمة أكثر من 190 مليون دولار لإسرائيل ضمن سبع حملات طارئة هدفت لدعم الحكومة والجيش الإسرائيلي، بحسب صحيفة "The Jerusalem Post" الإسرائيلية.
وقد خصَّصت المنظمة لتلك الحملات قسمًا خاصًا على موقعها الإلكتروني الرسمي حملَ اسم "Swords of Iron War" (حرب السيوف الحديدية)؛ وهو ذات الاسم الذي أطلقه الجيش الإسرائيلي على حملته العسكرية على قطاع غزة. وتضمَّنت تلك الحملات تقديم الدعم للحكومة الإسرائيلية وجنود الجيش، وللبلديات الإسرائيلية والمستوطنين في مستوطنات جنوب وشمال إسرائيل وفي محيط قطاع غزة، بجانب دعم الخدمات الطبية وتجهيزات الحماية، وتوفير الملاجئ.
الخلاصة
تبنّت مجموعة -سمّت نفسها: "مجموعة الشهيد محمد صلاح طلائع التحرير"- عملية اغتيال رجل الأعمال الإسرائيلي "زيف كيبر" في مدينة الإسكندرية بمصر، معللة ذلك بضلوعه في أنشطة استخباراتية لصالح جهاز الموساد الإسرائيلي. وفي المقابل، قدمت وسائل إعلام غربية وإسرائيلية الحادث باعتباره مدفوعًا بـ "معاداة السامية"، في نفي غير مباشر لأنشطة كيبر.
لكن البحث الذي أجراه فريق "إيكاد" يثبت أن كيبر كان أحد "المتبرعين المخلصين" لمشاريع منظمة تتبنى مشاريع تخدم جيش الاحتلال بشكل مباشر، وتدعم المشاريع الاستيطانية، وهو ما لا يتوافق مع الصورة التي قدمته بها وسائل إعلام غربية وإسرائيلية.