قاعدة البيانات
مقال

كيف استغلت حسابات الفلول وقسد وإسرائيل اعتصام دمشق؟

22/4/2026

قبل ساعات من تحول اعتصام "قانون وكرامة" إلى اشتباكات في قلب دمشق، لاحظ فريق "إيكاد" مشاركة بعض حسابات الفلول في دعم الحراك وتضخيمه، فيما بدا كمحاولة لاستغلاله بهدف الدفع بأجنداتهم إلى الواجهة.

دفعنا ذلك إلى تتبع التفاعل الرقمي مع الحراك، ما كشف عن وجود نمط مشابه شاركت فيه حسابات مرتبطة بالنظام السابق، ومنصات حديثة النشأة، وحسابات داعمة لقسد، وأخرى تروج للرواية الإسرائيلية، بالرغم من التباين السياسي والهوياتي بين هذه الأطراف.

كيف بدأت الدعوة؟

وكانت البداية من الصفحة الرسمية للاعتصام، التي أنشئت في 9 أبريل/ نيسان 2026. وبعد تحليل يدوي وتقني للصفحة وارتباطاتها، توصل الفريق إلى شبكة من أبرز الحسابات التي روجت للاعتصام.

مرفق 01 خريطة الشبكة المروجة لاعتصام "قانون وكرامة" (إيكاد)

من بين أبرز الحسابات التي رصدنا ارتباطها بالاعتصام كان حساب الإعلامي السوري عدي منصور، الذي وثق الفريق أن الصفحة الرسمية كانت تتابع حسابه في البداية، قبل أن تحذفه لاحقًا من قائمة المتابعات بعد تصاعد التساؤلات حول الجهات التي تقف خلف الدعوة. واللافت أن منصور نشر -قبل إنشاء الصفحة الرسمية بيوم واحد- منشورًا دعا فيه إلى التجمع في ساحة المحافظة بدمشق. 

وبالبحث في تاريخ عدي منصور، وجدنا أنه عمل في إذاعة "شام إف إم"، التي امتلك نصفها رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، عبر مجموعة "راماك"، كما ارتبطت إدارتها بسامر يوسف، المحسوب على منظومة "يسار إبراهيم"، الواجهة الاقتصادية لأسماء الأسد.

وبطبيعة الحال، كانت سياسة الإذاعة التحريرية متبنية لسرديات نظام الأسد خلال سنوات الثورة، بما يشمل ذلك دعم التحركات العسكرية للنظام ضد فصائل المعارضة. 

من أبرز المروجين للاعتصام؟

كما أظهرت الأرشفة وجود حسابات أخرى مرتبطة بالنظام السابق ضمن قائمة المتابعات الأولى، قبل أن تختفي لاحقًا بالطريقة نفسها. فخلال مراجعتنا للحسابات التي تابعتها صفحة الاعتصام في بدايتها، ظهر أيضًا حساب كنان العسافين، الذي كان يمتدح أسماء الأسد ويروج لتجديد الولاية الدستورية لبشار الأسد وبرنامجه الانتخابي في منشورات كتبها بين عامي 2020 و2021.

كما ظهر ضمن الحسابات المؤيدة للاعتصام وحيد يزبك، أحد الوجوه الإعلامية المرتبطة بالنظام السابق، كما أنه شارك في دعم الحراك والتفاعل معه عبر المنصات.

وأثناء تتبع الحسابات الأكثر نشاطًا في الترويج للاعتصام، برز كذلك اسم الصحفي إياد شربجي، الذي شارك بكثافة في نشر الدعوات والمحتوى المرتبط بالحراك، كما تبين أنه كان ضمن متابعي الصفحة الرسمية للاعتصام في مراحلها الأولى.

مرفق 13 نموذج من مشاركات إياد شربجي في الترويج لاعتصام دمشق

وبالعودة إلى سجل شربجي الرقمي، لاحظنا ظهوره سابقًا على منصة "جسور"، التي سبق أن فند فريق "إيكاد" نشاطها ومحتواها وشبكة داعميها، وأثبت تقاطع خطابها مع حسابات إسرائيلية في التحريض على صحفيي غزة، إضافة إلى تبنيها سردية الاحتلال حول فصائل المقاومة في القطاع.

مرفق 14 شربجي مصافحًا بشار الأسد

كما رصدنا إعلان شربجي عن وجود مراقب للاعتصام باسم "منظمة العدالة للجميع"، غير أن مراجعتنا للصفحة أظهرت أنها حديثة الإنشاء، وكشفت الأرشفة المبكرة للصفحة أنها كانت تتابع عددًا كبيرًا من الحسابات قبل حذفها لاحقًا، بينما لم تكن تتابع أي حسابات حتى صباح 19 أبريل/ نيسان 2026.

وخلال تتبعنا للمحتوى المرتبط بالاعتصام، برز حضور مكثف لمنصة "Media X"، التي لعبت دورًا بارزًا في تضخيم الحراك ومهاجمة الحكومة السورية الحالية. وبتحليل محتوى المنصة، تبين أنها تتبنى خطابًا مناهضًا للحكومة السورية، في حين تدافع في المقابل عن شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، من بينها المفتي السابق أحمد حسون

وبفحص الحسابات المرتبطة بها، تبين وجود الصحفية الدرزية كريستين شاهين ضمن فريق العمل، والتي تعرف نفسها على فيسبوك بأنها "صفحة معروفية (يطلق الدروز على أنفسهم بني معروف) من جبل الدروز". كما أن لشاهين سلسلة مواقف -رصدتها "إيكاد"- تهاجم فيها الحكومة السورية الحالية، وتدافع عن جرائم نظام الأسد في سجن صيدنايا، معتبرة أن "حرق السجناء بالأسيد ليس كافيًا".

مرفق 18 الصحفية الدرزية كريستين شاهين

حضور ميداني لشخصيات مرتبطة بنظام الأسد 

ومن خلال تتبعنا للمقاطع المصورة القادمة من ساحة المحافظة وسط دمشق يوم 17 أبريل/ نيسان 2026، رصدنا حضور شخصيات ذات صلات سابقة بنظام الأسد. من أبرز هذه الشخصيات رشاد غزال، الذي أظهرت مقاطع مصورة -نشرها مشاركون- وجوده في الاعتصام. كما تداولت حسابات صورًا تجمعه سابقًا ببشار الأسد وشخصيات من رموز النظام السابق.

مرفق 19 لقطة لرشاد غزال من داخل الاعتصام في دمشق

إضافة إلى ذلك، رصدنا وجود اتهامات متداولة بحقه تتعلق بانتحال صفة محام والاحتيال على سوريين، وهي اتهامات تداولتها صفحات سورية خلال الفترة الماضية.

كما رصدنا مشاركة الصحفية ميريلا أبو شنب -التي عملت سابقًا في قناة "سما" الموالية للنظام السابق- في الترويج للاعتصام والحضور الميداني له عبر بث مباشر على صفحتها في "فيسبوك".

تهديدات خرجت بالتزامن مع الاعتصام

وأثناء مراجعتنا للمحتوى المنشور بالتزامن مع الاعتصام، وجدنا مقطعًا مصورًا نشرته صفحة مرتبطة بفلول النظام السابق ومجموعات "لواء درع الساحل"، تضمن تهديدات مباشرة للحكومة السورية الجديدة. 

تحدث المقطع صراحة عن تنفيذ "عمليات ثأر" ضد من وصفهم بـ "الخونة والعملاء"، محذرًا من أن أي تحرك ضدهم سيقابل بعمليات فردية. واللافت أنه نُشر في اليوم نفسه الذي خرج فيه الاعتصام، بالتزامن مع تصاعد حملات التحريض الرقمي المرتبطة بالحراك.

تغطية إعلامية متزامنة

لم تقتصر الحملة الداعمة للاعتصام على مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ رصد الفريق تغطية إعلامية روجت للاعتصام وغطت أخباره في الفترة بين 13 و18 أبريل/ نيسان 2026.

وأظهرت لوحة التوزيع الزمني للتغطية تركز النشر ضمن ذروة حادة سبقت الاعتصام بيوم واحد. ففي 16 أبريل/ نيسان 2026، نُشرت خمس مواد دفعة واحدة، أربع منها عبر موقع "نبض سورية" -الذي أُسس عام 2025- بما يمثل نحو 45% من العينة المرصودة.

كما رصدنا مادتين نشرتا يومي 16 و18 أبريل/ نيسان 2026 قبل الذروة الأساسية، وكأنهما يمهدان لبناء الزخم الإعلامي قبيل خروج الاعتصام.

مرفق 24 مادتان نشرتا قبيل ذروة الاعتصام مباشرة في إطار الترويج له وتعزيز الزخم الإعلامي

وكشف التحليل أن المواقع والمنصات التي شاركت في الترويج للاعتصام لم تكن من نمط واحد؛ فبعضها موجه للرأي العام السوري مثل "نبض سوريا" و"ليفانت نيوز"، وبعضها منصات كردية مثل "كورد أونلاين" و"تلفزيون والت". كما شملت الشبكة أيضًا منصات مثل "جهينة نيوز" و"بالعربي" و"شارع"، التي وفرت تغطية متواصلة للحراك.

أجندات متباينة تتوحد خلف حملة واحدة

ولفهم نمط التعاطي مع الاعتصام على منصات التواصل الاجتماعي، جمع الفريق 25 حسابًا محوريًا شارك في الهجوم على الحكومة السورية ودعم الاعتصام. ضمت العينة حسابات مرتبطة بفلول النظام السابق، وأخرى مؤيدة لقسد، وغيرها داعم للرواية الإسرائيلية، إضافة إلى حسابات محسوبة على المحور الإيراني.

ومن خلال تحليل شبكة التفاعلات، حددنا أربع مجموعات رئيسية قادت التضخيم. ضمت المجموعة الأولى حسابات كانت موالية لبشار الأسد أو داعمة لأجندات انفصالية، من بينها حسابات عمر رحمون، ومحمد هويدي، والمرصد الديمقراطي السوري، ومنصات مثل "إدلب Online"، إلى جانب حضور واضح لحساب "Rojava Network" المؤيد لقسد.

أما المجموعة الثانية فشملت حسابات متقاطعة مع خطاب الاحتلال الإسرائيلي، مع دعم سردية الانفصال الكردي؛ من بينها حساب صفاء صبحي، ومنصة "جسور نيوز"، إلى جانب حساب الإعلامي "هاوار هبو" المؤيد لقسد، وحساب "Rayan Sooki"، الداعم لمشاريع انفصالية.

وضمت المجموعة الثالثة حسابات مؤيدة لإيران، برز بينها حساب "حيدر"، الذي نفذ وحده 1272 عملية تضخيم لدعوات الاعتصام، غالبيتها عبر حسابات حديثة الإنشاء، مثل "الأحداث الإيرانية بالعربية".

مرفق 27 حساب "حيدر"، نفذ وحده 1272 عملية تضخيم لدعوات الاعتصام

أما المجموعة الرابعة فضمت حسابات إسرائيلية مثل "Middle East 24" و"Dana Levi"، و"إيدي كوهين".

وأظهر تحليل شبكة التفاعلات أن 44% من عمليات التضخيم صدرت عن حسابات مؤيدة للنظام السابق وأخرى داعمة لأجندات انفصالية، تلتها حسابات مؤيدة لإيران بنسبة 22%، ثم حسابات إسرائيلية وما يدور في فلكها بنسبة 18%، وأخيرًا حسابات إخبارية بنسبة 9%.

وبذلك تركز نحو 80% من عمليات التضخيم داخل أربع كتل رئيسية؛ الموالية للنظام السابق، والانفصالية، والمحسوبة على إيران، والإسرائيلية. ورغم التباينات السياسية والأيديولوجية بين هذه الأطراف، لوحظ أنها ظهرت جميعها داخل موجة التفاعل نفسها، وشاركت في تضخيم السردية المرتبطة بالاعتصام خلال الفترة الزمنية ذاتها.

كيف تضخمت الحملة رقميًا؟

وأظهرت مراجعتنا للموجة الرقمية المرتبطة بالاعتصام تسجيل 8899 منشورًا، حققت نحو 62.8 مليون مشاهدة محتملة بمشاركة أكثر من 4500 حساب. كما بين الرسم الزمني للتفاعل أن النشاط ظل محدودًا قبل 17 أبريل/ نيسان، ثم قفز بشكل حاد مع انطلاق الاعتصام ليبلغ ذروته الأولى ظهر اليوم نفسه.

مرفق 30
الرسم الزمني يوضح أن النشاط ظل محدودًا قبل قفزة حادة تزامنت مع انطلاق الاعتصام

وفي 18 أبريل/ نيسان، سجل التفاعل ذروة ثانية، بعدد منشورات أقل، لكن بوصول تجاوز 25 مليون مشاهدة خلال ساعات، ما يشير إلى احتمالية دخول حسابات عالية التأثير إلى موجة التضخيم، وليس مجرد زيادة في حجم النشر.

مرفق 31 ذروة ثانية سجلت أكثر من 25 مليون وصول رغم تراجع المنشورات

وأثناء تحليل الحسابات المشاركة في التضخيم، رصدنا 603 حسابات حديثة الإنشاء شاركت في الترويج للاعتصام. واللافت أن نصف هذه الحسابات تقريبًا (301 حساب) أنشئت خلال شهر أبريل/ نيسان 2026 وحده، بالتزامن مع دعوات الاعتصام.

مرفق 32 تحليل الشبكة رصد 603 حسابات حديثة هاجمت الحكومة السورية

كما أظهر الرسم الزمني أن وتيرة إنشاء الحسابات ظلت تتراوح بين 14 و35 حسابًا شهريًا خلال الفترة من أبريل/ نيسان 2025 حتى فبراير/ شباط 2026، قبل أن ترتفع إلى 59 حسابًا في مارس/ آذار، ثم تقفز بشكل استثنائي إلى 301 حساب في أبريل/ نيسان 2026، بما يعادل نحو 15 ضعف الحسابات المنشأة في أبريل/ نيسان 2025 وخمسة أضعاف مارس/ آذار 2026.

وبفحص عينة من هذه الحسابات، لوحظ أن بعضها أُنشئ بفوارق زمنية ضيقة تصل إلى ساعات قليلة، واستخدم الموقع الجغرافي نفسه، واعتمد أسلوب النشر نفسه، من حيث مهاجمة الحكومة الجديدة، وتضخيم المحتوى ذاته المتعلق بالترويج للاعتصام، في نفس التوقيت تقريبًا.

مرفق 33 جدول يرصد حسابات أُنشئت بفوارق زمنية ضيقة للترويج للاعتصام ومهاجمة الحكومة السورية

فعلى سبيل المثال، أُنشئ الحسابان "@AbwRyad1693 و@lbtwl478281"، في 13 أبريل/ نيسان 2026، واستخدما "الويب" بدل التطبيق، وحددا "غرب آسيا" موقعًا جغرافيًا لهما، ونشرا المحتوى نفسه بالأسلوب والتوقيت نفسيهما.

مرفق 34 حسابات من "غرب آسيا" أعادت نشر المحتوى نفسه خلال نفس الإطار الزمني

الخلاصة 

يتضح مما سبق أن حراك دمشق استُغل من قبل أطراف متعددة ذات أيديولوجيات متباينة، وهو تكرار لنمط ظهر عدة مرات خلال الأشهر الأخيرة.

فبحسب معطيات رسمية سورية صدرت في مارس/ آذار 2026، رصدت وحدة مكافحة التضليل التابعة لوزارة الإعلام حملات رقمية منسقة مرتبطة بفلول النظام السابق، استغلت حادثة محدودة في مدينة "السقيلبية" بمحافظة حماة، لتحويلها إلى خطاب طائفي عبر وسوم موحدة وصياغات متكررة، مع تسجيل أكثر من 12 ألف تغريدة خلال ساعات، إضافة إلى رصد حسابات ومصادر محتوى متقاطعة مع قسد وفلول النظام.

وفي السياق ذاته، أقر وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى بأن البلاد تواجه نمطًا متقدمًا من التضليل الرقمي يعتمد على الحسابات الوهمية وخطاب الكراهية والتلاعب المنظم عبر المنصات.