باب المندب.. ممر بديل أم نقطة اختناق جديدة؟
أدى التصعيد العسكري في المنطقة إلى اضطراب مسارات الملاحة الدولية، لا سيما بعد توقف مرور السفن المحملة بالنفط وغيره من البضائع عبر مضيق هرمز جراء إغلاقه من قبل القوات الإيرانية. ونتيجة لذلك، تغيرت أنماط الملاحة في المنطقة لتتجه صوب مضيق "باب المندب"، عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وهو ما دفع فريق "إيكاد" للتساؤل عن الوضع الحالي للمضيق وحركة الملاحة خلاله.
وللإجابة عن هذا التساؤل، كان من الضروري معرفة كيف كان شكل الملاحة في المنطقة قبل الحرب الجارية، وكيف تغيرت بعدها.
كيف تغيرت مسارات الملاحة بعد الحرب؟
قبل اندلاع الحرب الحالية، في 28 فبراير/ شباط 2026، كانت جل دول المنطقة تعتمد على مضيق هرمز في تصدير النفط، حيث تبرز دول عدة كالسعودية والعراق والإمارات في قائمة أكبر المتضررين من إغلاق المضيق.
وعلى إثر ذلك، اتجهت بعض الدول، كالسعودية، لتصدير النفط من موانئ رديفة، مثل ميناءي "ينبع"، الواقعين على الساحل الغربي للمملكة، متوسطين المسافة بين باب المندب وقناة السويس، الأمر الذي يجعلهما بمثابة بديل استراتيجي، لا سيما في ظل الأزمات الجيوسياسة المؤثرة على مضيق هرمز. حيث تضمن السعودية من خلاله تدفق نفطها إلى الأسواق العالمية؛ لأوروبا وأمريكا عبر قناة السويس لأوروبا وأمريكا، وآسيا عبر باب المندب.
ولذا تظهر البيانات الملاحية، التي رصدها فريقنا يوم 28 مارس/ آذار 2026، ازدحامًا ملاحيًّا في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فضلًا عن تكدس كبير لناقلات النفط (تظهر باللون الأحمر) عند ينبع.
هذا التغير الواضح في نمط الملاحة عند "ينبع" بعد الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز تعززه البيانات الرقمية التي تفيد أن متوسط صادرات النفط من الميناء بلغ في الأسابيع الأخيرة 4.4 مليون برميل يوميًا، في حين لم يتجاوز المتوسط خلال الأشهر الستة السابقة للحرب المليون.
وتأتي هذه الزيادة بالتزامن مع شبه انعدام للحركة عبر مضيق هرمز، بعد التحذيرات والاستهدافات الإيرانية المتكررة لحاملات النفط أثناء عبورها من المضيق. وإجمالًا، كثَّف توتر الوضع العسكري عند مضيق هرمز حركة الملاحة المارة عبر المنطقة عند مضيق باب المندب، نظرًا لابتعاده عن مساحة العمليات العسكرية في بداية الحرب.
لكن هل يبقى الوضع كما هو عليه؟
في ظل التصعيد الإقليمي المتزايد، يبقى احتمال امتداد التوتر إلى مضيق باب المندب قائمًا، لا سيما وأن حلفاء إيران في اليمن -أنصار الله (الحوثيون)- قرروا مؤخرًا الانخراط في المعركة.
ورغم تركيز الضربتين التي وجهتهما الحركة اليمنية -حتى الآن- على أراضي الاحتلال الإسرائيلي، لا يُستبعد أن يدخل باب المندب إلى بؤرة العمليات، كما كان الوضع قائمًا إبان هجمات الحوثيين في البحر الأحمر ضد السفن الإسرائيلية والمرتبطة بها، إسنادًا لقطاع غزة خلال حرب الإبادة التي أعقبت 7 أكتوبر/ تشرين الثاني 2023. وقد سبق لـ "إيكاد" أن رصدت حركة السفن في المضيق آنذاك، حيث انعدمت فيه الحركة بشكل شبه كامل، وتحولت مسارات الملاحة إلى رأس الرجاء الصالح بالالتفاف حول إفريقيا.
سلاح اقتصادي بيد طهران
عودة هذا السيناريو، مع استمرار التوتر عند هرمز، يعني -عمليًّا- إضافة مسار جديد للضغط على حركة الملاحة الدولية، حيث يعتبر "باب المندب" بمثابة بوابة جنوبية لقناة السويس، التي يمر عبرها -في الأوقات الطبيعية- نحو 13% من التجارة العالمية و22% من تجارة الحاويات، بالإضافة إلى نحو 30% من النفط و40% من البضائع السائبة.
وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة التأثير المحتمل على تدفقات التجارة والطاقة، وما يتبعها من ارتفاع في تكاليف التأمين والشحن، جراء التوتر في الممرات الملاحية الثلاثة (مضيقي هرمز وباب المندب وقناة السويس)، وهو ما يفرض تحديات جسيمة على استقرار الأسواق العالمية، وعلى أمن الطاقة الأوروبي. ولذا، يعتبر العديد من المحللين والخبراء أن باب المندب قد يكون "السلاح الاقتصادي الأكثر فاعلية" لدى إيران خلال الحرب الجارية.
ويُظهر التحليل الأهمية الاستراتيجية الفائقة لمضيق باب المندب، فعلى الرغم من أن كثافة المرور فيه كانت أدنى من مضيق هرمز قبل الحرب الإيرانية، إلا أن ارتباطه الوثيق بسلاسل التوريد الأوروبية يجعله نقطة ضعف اقتصادية حادة، لا سيما بالنسبة لقطاعات التصنيع التي تعتمد نظام التوريد الفوري (Just-in-Time).
الخلاصة
تظهر البيانات الملاحية، التي رصدها فريق "إيكاد"، تكدسًا ملحوظًا على تخوم مضيق باب المندب خلال الأسابيع الأخيرة، نتيجة تحول المسارات الملاحية من مضيق هرمز جراء تصاعد الحرب الدائرة في المنطقة. وتتجلى خطورة المشهد الراهن في احتمالية حدوث تأثير مزدوج نتيجة تزامن التهديدات في مضيقي هرمز وباب المندب، وقناة السويس بالتبعية؛ ما قد يولد صدمة عنيفة تضرب شريان الطاقة العالمي من جهة، وسلاسل الإمداد الحيوية بين آسيا وأوروبا من جهة أخرى، الأمر الذي قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو موجة جديدة من تباطؤ النمو والضغوط التضخمية. وهنا يبقى السؤال: هل يبقى باب المندب ممرًا بديلًا تتنفس منه الأسواق العالمية أم يتحول إلى نقطة اختناق جديدة؟