"إيكاد" تكشف حملة رقمية أمريكية إسرائيلية تضخم التهديد الإيراني لدى الشعوب الأوروبية
بدأت فكرة هذا التحقيق الرقمي من تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية في 20 مارس/ آذار 2026، وادعى فيه الأمريكيون إطلاق إيران صاروخين بالستيين تجاه قاعدة "دييغو غارسيا" الأمريكية البريطانية، دون إصابة الهدف. ورغم النفي الإيراني الرسمي، واصل الإعلام الإسرائيلي استغلال هذا الادعاء لبث رسائل ترهيب لبرلين ولندن وباريس، عبر إرفاق خرائط تظهر المدن الأوروبية داخل مدى الصواريخ الإيرانية.
ومن خلال تتبع فريق "إيكاد" للسردية الإسرائيلية، رصدنا عدة منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تروج لذات المضامين، وهو ما قادنا لرصد حملة أكبر تقودها حسابات تحمل هويات أمريكية وإسرائيلية تستهدف الرأي العام الأوروبي. وقد كشف تحقيقنا الرقمي عن حملة منسقة شاركت فيها عشرات الآلاف من الحسابات الإسرائيلية والأمريكية، إضافة إلى حسابات داعمة لها من دول كالهند، استهدفت الرأي العام الغربي.
عملت الحملة على تضخيم رواية استهداف قاعدة "دييغو غارسيا"، وربطها بتهديد مباشر للعواصم الأوروبية عبر محتوى بصري مكثف، يعزز من سردية "الخطر الإيراني"، ويستهدف دفع القادة الأوروبيين نحو تبني مواقف أكثر حدة وانخراطًا في الحرب.
فما الذي كشفه تحليلنا؟
سجلت الحملة قفزة قياسية في مؤشرات التفاعل عقب تقرير "وول ستريت جورنال" في 20 مارس/ آذار 2026. حيث رصدت "إيكاد" مشاركة أكثر من 37 ألف ناشر، ضخوا أكثر من 58 ألف منشور. ووصل إجمالي الوصول المحتمل للحملة إلى رقم كبير تجاوز 4.36 مليار ظهور، مما يعكس حجم التعبئة الرقمية المنسقة.
ما الدول التي استهدفتها الحملة؟
وفق ما رصده فريق "إيكاد"، تصدرت الولايات المتحدة مؤشرات التفاعل في هذه الحملة بنسبة 21%، حيث استغلت حسابات محلية هذه السردية لتعزيز صورة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإبرازه كمدرك مبكر للتهديد الإيراني.
في حين جاءت إسبانيا في المرتبة الثانية بنسبة 20%، فيما بدا كمحاولة للضغط على رأيها العام الرافض للانخراط العسكري ولتغيير موقف مدريد المتحفظ على استخدام أراضيها في الحرب. وحلّت فرنسا في المرتبة الثالثة بنسبة 10%، في مسعى للتأثير على موقفها التقليدي المستقل نسبيًا، ودفع باريس نحو تبني مواقف أكثر تشددًا. بينما سجلت المملكة المتحدة 5%، حيث ركزت الحملة على ترسيخ سردية "الشريك المهدد"؛ نظرًا لشراكتهما الأمنية في القاعدة المستهدفة.
ما المضامين التي روجت لها الحملة؟
كشفت سحابة الكلمات (Word Cloud) المستخدمة في الحملة عن ثلاث ركائز دعائية؛ أولها تضخيم القدرة العسكرية عبر مفردات "باليستية" و"أكثر من 4000 كم"، لترسيخ فكرة الصواريخ العابرة للقارات.
وثانيها ربط التهديد جغرافيًا بالقارة الأوروبية، من خلال ربط "دييغو غارسيا" بالعواصم الأوروبية الكبرى، مثل "باريس" و"روما" و"برلين"، لخلق شعور عام بقرب الخطر من منازل الأوروبيين. كما وظفت الحملة الطابع الإخباري العاجل، عبر استخدام عبارات مثل: "فضيحة عالمية" و"عاجل" و"تهديد مباشر"، لزيادة الشعور بالتهديد، ولإضفاء مصداقية على الخبر لدى المتلقي الأوروبي.
وبشكل عام، تكشف طبيعة الكلمات المستخدمة عن خطاب منسق يهدف في مجمله إلى تسويق سردية "التهديد الوشيك" لأوروبا، لمحاصرة الرأي العام الأوروبي، ودفع العواصم الغربية إلى مربع المواقف المتشددة والانخراط المباشر في التصعيد.
ما السرديات الأساسية للحملة؟
رصدت "إيكاد" تركيز الحملة على سرديتين أساسيتين؛ الأولى اعتمدت "التكذيب العكسي" لتصريحات أدلى بها وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قبل أيام من اندلاع الحرب حول مدى الصواريخ التي تملكها بلاده، إذ تحدث آنذاك عن مدى يصل إلى 2000 كم. ومن الممكن القول إن هذه السردية تركز على ترسيخ صورة طهران ككيان مخادع يمتلك قدرات مخفية، وهو ما يثير الرأي العام الأوروبي تجاهها، ويدفعهم باتجاه مواقف أكثر تشددًا إزاءها.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن القاعدة الاستراتيجية "دييغو غارسيا" تقع في قلب المحيط الهندي على بعد نحو 4000 كم من طهران، ما يعني -حال صحة الادعاء- امتلاك إيران لصواريخ بهذا المدى، ما يمثل تهديدًا مباشرًا للأوروبيين، وفق ما روجت له الحملة الرقمية المرصودة.
وكان ذلك على وجه التحديد محور السردية الثانية التي تبنتها الحملة، وهي دخول العواصم الأوروبية في نطاق الصواريخ الإيرانية، كما ظهر في منشور وزارة الدفاع الإسرائيلية، الذي حوى خريطة تظهر لندن وباريس وروما كأهداف مباشرة قد تصل إليها صواريخ إيران، وذلك لإشعار المواطن الأوروبي بالتهديد المباشر.
ومن خلال التحليل الفني، رصد الفريق نمط "سبام" (Spam) مكررًا تقوده حسابات يمينية أمريكية داعمة لـ "ترامب" وحركة "MAGA". حيث تعتمد هذه الحسابات أسلوب "النسخ واللصق" لنشر نصوص موحدة تروج لـ "صدمة أوروبا" المتأخرة بعد إدراكها أن ترامب كان على حق، مع إرفاق قوائم لعواصم أوروبية وروابط خارجية لصحف أو قنوات مثل "فوكس نيوز" و"وول ستريت جورنال".
يهدف هذا التكرار الآلي للمنشورات والمضامين إلى ضمان ما يمكن تسميته بـ "الاختراق الخوارزمي"، إذ يعزز هذا النمط الانتشار السريع للمضامين المراد إيصالها. فضلًا عن أن هذا الأسلوب يساهم في صناعة "أغلبية وهمية"، حيث قد يتوهم المتابع بأن هذا الرأي يحظى بتأييد الأغلبية نظرًا لكثرة تكراره أمام عينيه. وقد لوحظ استخدام هذا الأسلوب بشكل رئيس لنشر السردية الثانية، المتعلقة بدخول العواصم الأوروبية في مدى الصواريخ الإيرانية.
الخلاصة
كشف التحقيق الرقمي لـ "إيكاد" عن حملة "بروباغندا" منسقة شاركت فيها آلاف الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، بهدف تضخيم التهديد الإيراني لأوروبا أمام الرأي العام الغربي، سعيًا للوصول إلى مواقف أوروبية أكثر تشددًا وانخراطًا في الصراع الدائر.
أتى ذلك عقب تقارير عن استهداف إيران لقاعدة "دييغو غارسيا"، وهو ما نفته طهران. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن هذا الاستهداف جاء بالتزامن مع قبول بريطانيا السماح لأمريكا باستخدام قواعدها العسكرية في الحرب، وهو ما دفع خبراء عسكريين إلى القول بأن هذا التزامن ليس "محض صدفة".