قاعدة البيانات
مقال

"إيكاد" توثّق تنسيق ميليشيات الهجري مع الاحتلال الإسرائيلي

20/4/2026

نشر المقاتل الدرزي، حسام درويش، في 29 يناير/ كانون الثاني 2026، مقطعًا مصورًا ظهر فيه بكامل عتاده العسكري في السويداء. ورصدت الكاميرا في إحدى اللقطات مروحيتين عسكريتين تحلّقان في السماء، بالتزامن مع تحدثه عبر جهاز لاسلكي ومراقبته للمسار الجوي.

مرفق 01 حسام درويش بزيّ عسكري يحمل قاذفًا صاروخيًا

تزامن هذا الظهور مع تقارير صحفية تواترت طوال أشهر حول تقديم الاحتلال الإسرائيلي دعمًا عسكريًا للميليشيات المحلية في السويداء، بموازاة توغلات ميدانية شبه يومية في الجنوب السوري. ومع ذلك، ظلّ الدليل البصري المباشر على هذا التنسيق غائبًا.

ومن لقطة المروحيات، التقط فريق "إيكاد" خيطًا لفتح تحقيق موسع. فمن خلال تتبع الأقمار الصناعية، ومطابقة الصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحليل شبكة الحسابات المتفاعلة معه، حاول الفريق تفكيك النشاط العسكري لـ"درويش"، وهو ما أوصلنا في النهاية إلى عدد من الدلائل البصرية التي توثق التنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي.

من "نسور الزوبعة" إلى سجون نظام الأسد

بمراجعة أرشيف الحسابات الرقمية لحسام درويش عبر منصة "فيسبوك"، وثَّق الفريق بداياته العسكرية ضمن بيئة مسلحة موالية لنظام بشار الأسد؛ إذ انخرط مبكرًا في صفوف ما يسمّى بـ "نسور الزوبعة" -الجناح المسلح لـ "الحزب السوري القومي الاجتماعي" الذي كان مساندًا للنظام السابق. كما ظهر برفقة عناصر، قُتل بعضهم لاحقًا في معارك السويداء كـ "نشوان الشاعر"، ونشر صورة قديمة بجانب جثة يرجّح أنها التُطت أثناء قتاله في صفوف "نسور الزوبعة".

مرفق 02 حسام درويش وعناصر "نسور الزوبعة"، بينهم نشوان الشاعر

ثم اعتقلته أجهزة نظام الأسد لاحقًا داخل الفرع "215"، قبل أن يخرج ضمن قوائم المفرج عنهم عقب سقوط النظام السوري في ديسمبر/ كانون الأول 2024. 

مرفق 03 تعليق على "فيسبوك" يشير إلى اعتقاله في الفرع "215"

الولاء للهجري

وحسبما رصده الفريق، التحق درويش عقب الإفراج عنه بصفوف "المجلس العسكري في السويداء" المشكّل حديثًا. 

مرفق 04 صورة جماعية لعناصر "المجلس العسكري في السويداء"

كما وثّق مقطع فيديو نشره في 4 مايو/ آيار 2025 زيارته لقبر عصام زهر الدين، مطلِقًا عليه صفة "الشهيد"، ومستخدمًا خطابًا طائفيًا أكد فيه تبعيته المباشرة لـ "الهجري"؛ مما يثبت تموضعه داخل الميليشيات المحلية المرتبطة به. 

مرفق 05 لقطات فيديو لحسام درويش بعد سقوط النظام

تمهيد لمعارك السويداء

كان من اللافت كذلك ما رصده الفريق من مؤشرات رقمية سبقت اندلاع أحداث السويداء؛ إذ عمَّم درويش في 29 أبريل/ نيسان 2025 منشورًا يحذّر فيه الدروز القاطنين في أحياء مشتركة مع البدو من إخلائها، ملوّحًا باستهداف المنطقة بقذائف الهاون حال تحرك البدو. وعزّز هذا التحذير بنشر مقطع قبل الأحداث بنحو شهر، وتحديدًا في 14 يونيو/ حزيران 2025، وتظهر فيه تدريبات مسلحة لمجموعات محلية، مما يضع نشاطه ضمن سياق ممهّد للتصعيد.

توثيق الانتهاكات

كما وثّق درويش انتهاكات ميدانية روَّج لها وشارك فيها بالتزامن مع أحداث السويداء؛ إذ نشر في 13 يوليو/ تموز 2025 مقطعًا مصورًا للتحقيق مع ثلاثة مدنيين، معلقًا بعبارة "العدد عزود"، في إشارة إلى نية اعتقال آخرين. 

ونشر في 13 أغسطس/ آب 2025 لقطات لاعتقال شخص آخر يُرجح أنه من أحداث السويداء، وتبعه في 21 أغسطس/ آب بنشر صورة لقدم تدوس رأس قتيل ينتمي لفصيل "العصائب الحمراء" الموالي للحكومة السورية، متباهيًا بالانتقام، مع بقاء الهوية المباشرة لصاحب اللقطة متأرجحة بينه وبين أحد أفراد عائلته.

دعاية للعمل في إسرائيل

ووفق ما أظهره المحتوى المنشور على حسابه، تصدّر درويش المجموعات المحلية التي روّجت علنًا للتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي؛ وتجلّى ذلك في منشورات بثها عبر حسابه تضمنت دعوات صريحة للعمل داخل الأراضي المحتلة، إضافة إلى نشر صور لعناصر جيش الاحتلال على قمة جبل الشيخ.

مرفق 11 منشورات لحسام درويش تروّج للعمل في إسرائيل، مارس/ آذار 2025

مروحيات عسكرية في سماء السويداء

وفي 29 يناير/ كانون الثاني 2026، ظهر درويش بزي عسكري كامل، تزامنًا مع تحليق مروحيتين عسكريتين فوق موقعه وتحدثه عبر اللاسلك

مرفق 12 لقطتان من فيديو 29 يناير/ كانون الثاني 2026: مروحيتان وحسام يراقبهما مسلّحًا

وعبر مطابقة الخصائص البصرية للمروحيتين -المتمثلة في هندسة الجسم، وشكل الذيل، وبقاء العجلات ظاهرة أثناء الطيران- رجح الفريق تطابقهما مع طراز "بلاك هوك" (Black Hawk) التابع لسلاح الجو الإسرائيلي.

وقارن التقرير المقاطع بأخرى رُصدت في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 لتحليق فوق السويداء؛ وهو ما كشف عن تشابه واضح في الطراز، مع فارق وحيد يكمن في خلوّ مروحيات فيديو "درويش" من الأجنحة الجانبية المخصصة لحمل قاذفات الصواريخ أو خزانات الوقود الإضافية، وهي ميزة تركيبية تتبع طبيعة المهمة العسكرية.

نمطٌ يتكرر فوق الجنوب

لم تكن تلك الحادثة فريدة، إذ أثبت الرصد الملاحي أنها متسقة مع نمط طيران متكرر فوق الجنوب السوري؛ فقد رصد الفريق تحليقًا مماثلًا لطائرات -رجّح الفريق أنها من طراز "بلاك هوك" أيضًا- فوق "بصرى الشام" باتجاه السويداء في 20 أبريل/ نيسان 2026. ومن خلال مطابقة المعالم الظاهرة في المقطع مع صور الأقمار الصناعية، حدد الفريق إحداثيات اللقطة بدقة عند: "32.517884, 36.482770".  

ولاستبعاد الفرضيات البديلة، طابق الفريق تلك المعالم بمروحيات الجيش السوري روسية الصنع؛ فلم يثبت أي تقاطع هيكلي سوى مع طراز "مي-24" (MI-24). غير أن تباين الهيكل العام، واختفاء عجلات الطائرات السورية أثناء التحليق بعكس طراز "بلاك هوك"، أكدا تبعية المروحيات لأطراف خارجية.  

أين هبطت؟

وبتحليل اتجاه التحليق في فيديو "درويش"، تبين أن المروحيات حلّقت فوق بلدة "عتيل" قادمة من جهة الجولان السوري المحتل باتجاه مدينة السويداء. 

مرفق 19 صور أقمار صناعية ولقطة فيديو فوق بلدة "عتيل"

ووفقًا لهذا الخط الملاحي، يرجح الفريق هبوط الطائرات إما في مقر الفوج "44" شمال المدينة، أو فوق مدرج بلدة "الكفر" الزراعي، الذي سبق أن استخدمته القوات الإسرائيلية في عملية هبوط مروحية، كما تداولت مصادر صحفية.

وبتحليل شبكة التفاعلات الرقمية حول الفيديو، وصل الفريق إلى حساب شخص مقرب من "درويش" يدعى "كناز البني"، أثبتت تفاعلاته أنه مُصور الفيديو. وعزز "البني" هذه الفرضية بنشر مقطع لاحق يظهره بجانب مدرج "الكفر"؛ مما يربط الميليشيا بالموقع بروابط بشرية ومكانية تدعم فرضية استخدام المدرج في هبوط المروحيات

مرفق 22 صور لـ"كناز البني" على "إنستغرام" قرب مدرج "الكفر"

دعمٌ إسرائيلي وهمي

نشر درويش كذلك عددًا من المنشورات حول الدعم الإسرائيلي المقدم لهم، لكن بعض ما نُشر لم يصمد أمام الفحص الفني.

فعلى سبيل المثال، نشر في مارس/ آذار 2026 مقطعًا تظهر فيه أسلحة، بينها رشاش إسرائيلي من طراز "تافور" (Tavor). وبالعودة إلى أرشيف حسابه، تبيّن أنه نشر الصورة ذاتها، في مارس/ آذار 2025، لكن دون الرشاش والراية الدرزية. كما أكدت برامج كشف التلاعب وجود تعديل مولد بالذكاء الاصطناعية بنسبة 26%. 

وبالمثل، بثّ درويش صورة تجمعه بأشخاص يرتدون زيًّا عسكريًّا يحمل شعار جيش الاحتلال الإسرائيلي. وأثبت الفحص التقني التلاعب بها والتعديل عليها؛ نظرًا لوجود تشوّهات في العلم، وظهور قبعتين -واحدة على الكتف وأخرى فوق الرأس- في وقت واحد، وهي مؤشرات بصرية غير طبيعية تدل على التلاعب.

مرفق 26 نتيجة أداة كشف الذكاء الاصطناعي لصورة الزيّ الإسرائيلي

الخلاصة

يضع هذا التحقيق -عبر تتبع الأدلة البصرية الرقمية- الميليشيات المسلحة في السويداء أمام كشف استقصائي يُثبت التنسيق العملياتي المباشر مع الاحتلال الإسرائيلي. إذ  لم تعد الاستعانة بالدعم الخارجي مجرد فرضية تتداولها التقارير؛ بل عززها التحقيق بقرائن بصرية لتحليق مروحيات "بلاك هوك" يرجّح تبعيتها لإسرائيل فوق الأراضي السورية، فضلًا عن سلوك العناصر الميدانية على الأرض مثل "حسام درويش". ومع ذلك، لم يغفل التحقيق عن الفصل بين "الدعاية الوهمية" المصنوعة بأدوات التلاعب بالصور، وبين النمط العسكري المثبَت للاختراق الجوي الإسرائيلي للجنوب السوري.