قاعدة البيانات
تحقيق

"إيكاد" ترصد شبكة رقمية تروّج لمنظومة مالية موازية في السودان

3/5/2026

تبدأ الحكاية من واجهة تطبيق مصرفي يحمل اسم "بنك المستقبل"، يظهر فجأة على شاشات الهواتف المحمولة داخل المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في السودان كأداة دفع رقمية بديلة. 

قد يمرّ الإعلان كإجراء خدماتي اعتيادي، لكنه في حقيقة الأمر شكّل الخيط الأول الذي التقطه رادار "إيكاد"؛ إذ لم تكن تلك المنصة الرقمية مجرد تطبيق معزول، بل مهّدت الأرضية لسلسلة قرارات سيادية متلاحقة استهدفت ضرب العملة السودانية الوطنية. 

وتُوّجت بإعلان ما يسمى "حكومة تأسيس" التابعة للدعم السريع تأسيس "مجلس العملة الانتقالي"، ومنحه صلاحيات تنظيم تداول النقد، والإشراف الكامل على برامج الاستبدال، ومنح تراخيص مزاولة الأعمال المصرفية. 

وقبلها بـ 10 أيام فقط، أصدرت ذات الجهة قرارًا بحظر تداول فئات العملة السودانية الورقية الموقّعة باسم محافظ بنك السودان، برعي الصديق، مع تجريم حيازتها باعتبارها "جريمة اقتصادية سيادية".

مرفق 01 قرار حكومة تأسيس بحظر التعامل بالعملة الورقية السودانية

لاحظ فريق "إيكاد" نشاطًا رقميًا ترويجيًا صاحبت هذه القرارات. وبتتبع بعض الحسابات المشاركة في النشاط عبر المصادر المفتوحة، خلص الفريق إلى وجود شبكة رقمية تتخفّى خلف مواقع إخبارية، وحسابات وهمية، تنشط جميعها بالتزامن لإغراق الفضاء الرقمي.

مواقع ومنصات إخبارية

وفور صدور القرار، تولّت بعض المنصات والمواقع الإخبارية الموالية لقوات الدعم السريع، تعميمه ونشره؛ أبرزها مواقع "صباح نيوز"، و"راينو نيوز"، و"إدراك"، وصحيفة "الصيحة".  

وبالتتبع التاريخي للصحيفة الأخيرة تحديدًا (الصيحة)، وجدنا أن بعض التقارير تحدثت عن انتقال ملكيتها عام 2019 إلى شركة "الوديان" المرتبطة مباشرة بقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، عبر صفقة أدارها الصحفي، الصادق الرزيقي.  

مرفق 04 صحيفة "الصيحة" مملوكة لشركة "الوديان" المرتبطة بـ "حميدتي"

وعند إخضاع هذه المواقع للفحص على يد الفريق التقني لدى "إيكاد"، تبين أن موقعي "راينو نيوز" و"إدراك" يتشاركان عنوان نطاق (IP) واحد (91.204.209.18)، وكلاهما مسجّل لدى جهة النطاقات نفسها (NameSilo)، وهو ما يرفع من احتمال وجود جهة تشغيل واحدة خلف الموقعين.

كما تبيّن أن حساب "صباح نيوز" على "إنستغرام" -الذي أنشئ بعد أشهر قليلة من إعلان تأسيس ما يسمى بـ "حكومة تأسيس"- يُدار من داخل دولة الإمارات العربية المتحدة.

مرفق 07 بيانات الشفافية في "إنستغرام" تكشف أن حساب موقع "صباح نيوز" يشغَّل من الإمارات

حملة متزامنة على منصات التواصل الاجتماعي

انتقل الفريق من المواقع إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي نشطت عليها حسابات روّجت هي الأخرى للقرارات. ففي منصة "فيسبوك"؛ رصد الفريق عددًا من الصفحات التي أعادت نشر القرارات ودعمتها بصيغ وبوسترات متشابهة، شملت صفحات "QN News SD"، و"سودان ميكس"، و"رادار"، و"الزاوية"، و"الوطن". 

وأظهرت بيانات الشفافية الرقمية أن صفحتي "الزاوية" و"رادار" أُنشئتا خلال عام 2025، بينما أُسست صفحتا "سودان ميكس" و"الوطن" مطلع عام 2026.

مرفق 10 تواريخ إنشاء بعض الصفحات التي روجت للقرار (بيانات الشفافية على فيسبوك)

وكشف التدقيق في أرشيف صفحة "SD News QN" -المنشأة في يونيو/ حزيران 2022- تغييرها لمسمّى المعرّف الخاص بها في يناير/ كانون الثاني 2025، بعد أن كانت تحمل اسم "محبي الإعلامية تسابيح المبارك" المؤيدة لقوات الدعم السريع.  

مرفق 11 بيانات الشفافية على فيسبوك تكشف أن صفحة "SD News QN" كانت تُسمّى سابقًا "محبي الإعلامية تسابيح المبارك"

كما رصدنا مشاركة شخصيات داعمة للدعم السريع، من بينها "ظافر محمد" و"Jedo Musa" -اللذيْن تكشف بيانات حسابيهما عن تشغيلهما من الإمارات- في الترويج لقرار حظر العملة، عبر أكثر من منصة، بينها فيسبوك وتيك توك

مرفق 12 بيانات الشفافية تكشف تشغيل حسابي "ظافر محمد" و"Jedo Musa" من دولة الإمارات.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن هذه الحسابات نفسها سبق أن رصدتها "إيكاد" ضمن حملة الترويج لتطبيق "بنك المستقبل" الذي تقف خلف تطويره شركات مسجلة في الإمارات أيضًا.

وعلى منصة "إكس"، رصدنا حسابات شاركت في نفس الحملة الترويجية، وكشفت البيانات أنها أُنشئت خلال عام 2026، إلى جانب حسابات أقدم غيّرت أسماء المستخدم أو المعرفات الخاصة بها خلال عامي 2025 و2026.

نشاط رقمي متزامن

وكان من اللافت تركّز عمليات إنشاء الحسابات وإعادة التسمية بين يناير/ كانون الثاني 2025 وأبريل/ نيسان 2026، فيما بلغت ذروة إنشاء الحسابات وإعادة توظيفها خلال شهري يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط 2026، وهو النمط ذاته الذي ظهر بالتزامن مع توسع النشاط الإعلامي المرتبط بالدعم السريع على المنصات المختلفة.

مرفق 18 رسم يوضح تركز تواريخ إنشاء الحسابات أو تغيير أسمائها تسمية بين عامي 2025 و2026 (إيكاد)

هويات منتحلة

وخلال فحص الحسابات المشاركة في الحملة، اكتشفنا استخدام بعضها صورًا شخصية مزيفة. فمثلًا، أثبت البحث العكسي عن الصورة الشخصية لحساب "مناسك" أنها تعود إلى حساب على منصة "لينكد إن" لشخص يقيم في لندن ولا يرتبط بالشأن السوداني. كما استخدم حساب "هاجر موسى" صورة تعود للمؤثرة السودانية المقيمة في دبي "شذى فرح". 

كيف تعمل الشبكة؟

لاحظ الفريق كذلك اعتماد المنصات واللجان التابعة على إعادة نشر الإنفوغرافيك الرسمي نفسه بصيغ متشابهة. واستهدف التدوير المنسق تضخيم الرسالة عبر قنوات متعددة؛ بشكل يخلق انطباعًا بأن التأييد الشعبي لقرارات "حكومة تأسيس" يتشكل بطريقة عفوية وواسعة النطاق عبر الفضاء الرقمي. 

وبعد تحليل تقني أجراه مختصو "إيكاد" لحسابات الحملة الترويجية ومحتواها، تبيّن أن حساب "مجلس وزراء حكومة السلام والوحدة" يقع في مركز الشبكة الرقمية، كمنطلق ومصدر أساسي للمحتوى. وتتوزع حوله المواقع الإخبارية والصفحات الرديفة على المنصات المختلفة بهدف توسيع نطاق انتشار المضمون، وصولًا لطبقة الحسابات الفردية واللجان الموجهة.  

مرفق 24 شبكة المواقع والحسابات على مختلف منصات التواصل الاجتماعي المروجة للمحتوى الذي يبثّه حساب "مجلس وزراء حكومة السلام والوحدة"

وحسب التحليل الرقمي لنشاط الحملة، تبين أن حركة الترويج بدأت فور بث الحساب المركزي للقرار عصر الجمعة 1 مايو/ أيار 2026 عند الساعة 14:13. وتلاحقت عشرات المنشورات في المنصات بالتزامن، وتكرر النمط ذاته مساء السبت 2 مايو/ آيار، عند الساعة 19:18، عقب صدور بيان توضيحي ثانٍ من الحساب المركزي.  

مرفق 25 رسم يوضح انطلاق موجات الترويج مباشرة عقب المنشورات الرسمية للحساب المركزي

يختلف هذا التزامن عن آليات انتشار الأخبار الطبيعية التي تتوزع عادة في فترات متفاوتة بناءً على اهتمامات الجمهور وطبيعة المنصة؛ إذ يسجل المؤشر ارتفاعًا حادًا فور صدور المنشور الرسمي ثم ينخفض تدريجيًا بانتهاء الزخم. لكن في حالتنا هذه، كان النشاط يرتفع النشاط بصورة متزامنة مع كل منشور رسمي. وهو ما يعزز من احتمالية وجود حملة منسقة غير عفوية للترويج للقرارات الاقتصادية التي تتخذها قيادة الدعم السريع.

ما الهدف من القرارات؟

من الممكن القول إن قرار حظر العملة الوطنية وتجريم حيازتها ليس إجراءً إداريًا معزولًا، إذ إنه مرتبط بسلسلة خطوات ممنهجة يبدو أنها تهدف إلى تأسيس اقتصاد موازٍ. 

بدأت الخطة بتوفير أداة دفع رقمية بديلة عبر "بنك المستقبل"، وتطورت إلى استهداف العملة السودانية الرسمية وتجريمها، وصولًا لإنشاء جسم تنظيمي ومصرفي مستقل يدير النشاط النقدي تحت مسمّى "مجلس العملة الانتقالي".

تطرح هذه الخطوات تساؤلات حول ما إن كان تأثيرها سيقتصر على إدارة النشاط الاقتصادي المحلي في مناطق سيطرة الدعم السريع، أم أنها بمثابة تمهيد استراتيجي لمسار قد يؤول إلى تفكيك الاقتصاد السوداني وعزله وفصله عن اقتصاد المناطق الواقعة تحت سيطرة حميدتي وقواته، ما قد ييسّر لاحقًا الانفصال الكامل.