قاعدة البيانات
مقال

عاد من الموت ليهدد الحكومة السورية من لبنان.. ما القصة؟

22/1/2026

شنت الحكومة السورية، في ديسمبر/ كانون الأول 2025، حملة اعتقالات طالت عددًا من فلول نظام الأسد، تخللتها اشتباكات في بلدة بعبدة بريف جبلة. وعقب تلك الأحداث، نشرت صفحات تابعة للفلول بيانات نعت فيها شخصين ادّعت أنهما قُتلا خلال الاشتباكات؛ هما عمار عجيب، المكنّى بـ "أبو الفيصل"، وغدير إسماعيل، الذي زعمت أنه فجر نفسه قبل أن تتمكن القوات الحكومية من اعتقاله. وكان أحد أبرز المروجين لهذه الرواية حسابًا يحمل اسم "الظل الهاشمي"، وهو ذاته الاسم الذي يستخدمه "مضر علي"، الذي سبق أن كشفت "إيكاد" هويته.

وبعد فترة قصيرة، لاحظ الفريق أن صاحب الحساب حذف صورة غدير إسماعيل من منشور النعي، بينما أبقى بقية المنشور دون أي تعديل. وهو ما أثار التساؤل عن سبب اختفاء صورة شخص قيل إنه قُتل، الأمر الذي دفعنا إلى البحث خلفه سعيًا لتحديد هويته.

العثور على مصدر الصورة 

وبالعودة إلى شبكة حسابات الفلول التي أرشفها فريق التحقيقات في "إيكاد "خلال الفترة السابقة، وجد الفريق أن الصورة التي استُخدمت في منشور النعي كانت منشورة سابقًا على حساب باسم "أسد بعلبك"، الذي أرشفنا سجل حسابه بتاريخ 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، قبل أن يحذفها لاحقًا بالتزامن مع أحداث "بعبدة". وهو ما رجح أن الصورة التي زُعم أنها لـ "غدير إسماعيل" تعود بالأصل إلى صاحب حساب "أسد بعلبك".

مرفق 03 صورة "غدير إسماعيل" ظهرت على حساب "أسد بعلبك" قبل الاشتباكات

وبمراجعة أرشيف الحساب، رصدنا بثًا مباشرًا نُشر في 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، ظهر فيه صاحب الحساب مرتديًا جعبة عسكرية، وهدد فيه -عند الدقيقة (0:22)- من وصفهم بـ "بني أمية" بأنهم "لن ينسوا وجهه خلال الأيام الخمسة المقبلة"، في خطاب حمل طابعًا طائفيًا واضحًا. وعند الدقيقة (4:45) من ذات المقطع، ظهر إلى جانبه عمار عجيب، الملقب بـ "أبو الفيصل"، وهو ذات الشخص الذي أعلنت حسابات الفلول مقتله لاحقًا في اشتباكات بعبدة، ما يعني وجود صلة مباشرة بين الشخصين قبل الأحداث، الأمر الذي دفعنا للبحث بشكل أعمق عن هويته وخلفيته.

هل فجر الرجل نفسه بالفعل؟

عقب اشتباكات بعبدة، حذف صاحب حساب "أسد بعلبك" الصورة والبث المباشر معًا، ثم توقف عن النشر لفترة قصيرة. لكن في 6 يناير/ كانون الثاني 2026، عاد الرجل للظهور حيًا حاملًا سلاحه، ما يثير علامات استفهام بشأن الهدف من إشاعة مقتله.

مرفق 06 صورة من حساب أسد بعلبك تظهر صاحبه (النقيب يحيى) وهو يحمل سلاحا

وفي 18 يناير/ كانون الثاني، بثّ مقطعًا مباشرًا جديدًا أعلن فيه انتماءه إلى ما يسمى "سرايا الجواد"، متوعدًا بأن مجموعته ستتحرك خلال يومين للثأر، وعرّف نفسه باسم "النقيب يحيى"، وقد تكرر ذات الاسم في صورة أخرى نشرها عبر خاصية "الستوري"، وهو ما يتناقض مع اسم "غدير" الذي أشيع أنه فجر نفسه.

وبعدها بيومين، نشر بثّا مباشرًا آخر هدد فيه -عند الدقيقة (2:33)- بقتل كل من يقول "لا إله إلا الله محمد رسول الله" إذا عاد، ثم توعد -عند الدقيقة (4:17)- بقتل النساء والأطفال، في تهديدات صريحة استهدفت المدنيين على خلفية طائفية. 

أين يتواجد النقيب يحيى؟

أثناء تتبعنا أرشيف الحساب، عثرنا على خيط كشف لنا مسارًا آخر، حيث وجدنا مقطعًا نُشر، في 8 يونيو/ حزيران 2025، ظهر فيه "النقيب يحيى" بجانب سيارة تحمل لوحة تسجيل لبنانية. 

مرفق 07 صورة من مقطع قديم أظهر "النقيب يحيى" بجوار سيارة بلوحة لبنانية

وبالاستناد إلى الرقم التعريفي للمركبة، توصلنا -عبر قواعد بيانات متخصصة- إلى أنها مسجلة كسيارة خاصة سياحية باسم "مناضل سلومي جاسم الجنابي"، لصالح السفارة العراقية في بيروت. 

كما كشف التحليل الرقمي لنوعية الترخيص وارتباطات رقم الهاتف أن مالك السيارة يعمل -على الأرجح- ضمن الطاقم الإداري أو الفني أو الأمني في السفارة، وهو ما يفتح احتمال وجود قنوات تواصل مع عناصر الفلول عبر شخصيات تعمل تحت غطاء دبلوماسي.

مرفق 10 التحليل الرقمي يرجح ارتباط مالك السيارة (سلومي جاسم الجنابي) بطاقم السفارة العراقية

ودعمت صور نشرها "النقيب يحيى"، في 15 يناير/ كانون الثاني 2026، هذا المسار، إذ ظهر داخل مطعم يحمل اسم "الزعيم"، وخلفه صورة حسن نصر الله. وبالتحقق، توصلنا إلى وجود مطعم واحد في لبنان يحمل هذا الاسم، يقع في بلدة المرج بمحافظة البقاع، وهي منطقة تعد من معاقل حزب الله، ما أضاف مؤشرًا جغرافيًا جديدًا إلى مسار تحركاته.

مرفق 11 صورة "النقيب يحيى" التي قادت إلى وجوده في مطعم في بلدة المرج بالبقاع اللبنانية

الخلاصة

يكشف هذا التحقيق أن خبر تفجير شخص يُدعى "غدير إسماعيل" لنفسه أثناء اشتباكات "بعبدة" لم يكن سوى شائعة روج لها فلول النظام السابق، حيث ظهر صاحب الصورة بعد ذلك مسلحًا في مقاطع متعددة يهدد الحكومة السورية ويتوعدها. كما أن اسم "غدير" نفسه مشكوك في صحته؛ إذ إن الحساب الأصلي لصاحب الصورة اسمه "أسد بعلبك"، وذُكر فيه غير مرة أن اسمه "النقيب يحيى". كما رجح الفريق -من خلال تحليل محتوى الحساب- وجوده في لبنان.

تتسق تلك النتيجة مع ما كشفته تقارير وكالات أنباء عالمية من أن شخصيات بارزة من دائرة الأسد في المنفى، بينها رامي مخلوف واللواء السابق كمال حسن، تعمل على تمويل وتنظيم مجموعات مسلحة محتملة داخل سوريا، عبر شبكات ووسطاء بعضهم في لبنان، ضمن محاولات لاستعادة النفوذ بعد سقوط النظام.

وفي 27 ديسمبر/ كانون الأول 2025، أعلنت وزارة الدفاع السورية توقيف 12 شخصًا، بينهم ضباط وعناصر مرتبطون بالنظام السابق، أثناء محاولتهم دخول سوريا من جهة الحدود اللبنانية. وبعدها بدأت وسائل إعلامية لبنانية وسورية تتحدث عن تحقيقات ومداهمات في لبنان على خلفية معلومات عن وجود عناصر وضباط سابقين من النظام، ولا سيما في طرابلس وعكار ومناطق شمالية.

كما أفادت "رويترز" بأن دمشق طلبت من الأجهزة اللبنانية تسليم أكثر من 200 ضابط رفيع من نظام الأسد فروا إلى لبنان بعد سقوطه. فيما نفذ الجيش اللبناني مداهمات، بين 3 و6 يناير/ كانون الثاني 2026، انتهت بتوقيف 38 سوريًا يشتبه في انتمائهم إلى فلول نظام الأسد.