بعد 21 عامًا.. عودة الاستيطان إلى "صانور" في الضفة الغربية
بعد 21 عامًا من إزالة مستوطنة "صانور" من على تلةٍ شمال الضفة الغربية ضمن خطة فك الارتباط عام 2005، يعود المستوطنون اليوم إلى المكان ذاته، بمباركة من مسؤولي حكومة الاحتلال الإسرائيلي.
ففي 19 أبريل/ نيسان 2026، أُعيد افتتاح المستوطنة بحضور وزراء وأعضاء كنيست وشخصيات من التيار الاستيطاني اليميني، في خطوة وصفها وزير المالية الإسرائيلي اليميني، بتسلئيل سموتريتش، بأنها "تصحيح تاريخي" و"عيد وطني"، معتبرًا أنها تمثل "مسارًا مباشرًا نحو إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية".
فما هي "صانور"؟
تقع قرية صانور جنوب غرب جنين، فوق تلة تشرف على مرج واسع، وشهدت إعادة إعمار في مطلع القرن الثامن عشر على يد آل جرار، الذين شيّدوا سورها وقلعتها لتتحول إلى حصن دفاعي محوري في جبل نابلس. وعلى امتداد تاريخها، تعرضت القلعة للحصار والهدم مرتين خلال القرن التاسع عشر قبل إعادة بنائها.
كما تمتد أراضي القرية بين سهول خصبة وتلال زراعية تنتشر فيها زراعة الحبوب والزيتون والفواكه، إلى جانب تربية المواشي، فيما ارتبط اسمها أيضًا بتاريخ المقاومة الفلسطينية، إذ استشهد على أرضها عام 1939 عبد الرحيم الحاج محمد، أحد قادة الثورة الفلسطينية الكبرى.
وقد أُسست المستوطنة عام 1977 على أراضي قرية "صانور" الفلسطينية، وأُخليت عام 2005 في إطار خطة "فك الارتباط" بقيادة أرييل شارون، والتي قضت كذلك بمنع الإسرائيليين قانونيًا من الإقامة فيها، إلا أن حكومة نتنياهو أعادت فتح الباب أمام عودة الاستيطان بعد إلغائها للمنع عام 2023.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2025، صادر الاحتلال نحو 500 دونم من الأراضي الخاصة لشق طريق التفافي بطول 6 كيلومترات يصل إلى المستوطنة، بالتزامن مع مصادقة المجلس الوزاري الأمني على 22 مستوطنة جديدة بينها "صانور" و"هومش". وأخيرًا، أتى إعادة افتتاح المستوطنة، في أبريل/ نيسان 2026، ليعبر عن انتقال عملي نحو إحياء الاستيطان.
إذن، لم تكن تلك الخطوة وليدة الصدفة، حيث سبقتها تحضيرات ميدانية متدرجة بدأت قبل أشهر، تمهيدًا لإعادة استيطان البؤرة، بما تحمله من رمزية تاريخية.
كيف مهّد الإسرائيليون لاستعادة "صانور"؟
حسب صور الأقمار الصناعية، ظهرت مؤشرات أولية، منذ ديسمبر/ كانون الأول 2025، على بدء أعمال تجريف وترميم في محيط الموقع، ما يعكس تحركات إسرائيلية مبكرة لتهيئة البنية التحتية في صانور.
ومع حلول فبراير/ شباط 2026، أظهرت الصور تصاعدًا واضحًا في وتيرة الأعمال، مع توسع عمليات التجريف داخل قلعة صانور التاريخية ومحيطها.
وفي أبريل/ نيسان 2026، أظهرت صور الأقمار الصناعية اكتمال مرحلة جديدة من التطوير، عبر تثبيت غرف متنقلة (كرفانات) فوق قلعة صانور، في مؤشر على انتقال الموقع من مرحلة التهيئة إلى الاستخدام الفعلي.
تزامنت هذه التطورات مع استقرار 16 عائلة داخل وحدات سكنية جاهزة أقيمت فوق التلة التي تضم قلعة "صانور" العثمانية، ضمن مرحلة أولية من مخطط أوسع يشمل بناء 126 وحدة استيطانية.
ما سبق يشير بوضوح إلى أن استعادة "صانور" أتت بعد تمهيد وتخطيط دام شهورًا، بمباركة رسمية من حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما تبدّى في تعاطي وزراء اليمين المتطرف مع الخطوة، الذين أكدوا بوضوح أنها خطوة ضمن مخطط أوسع لاستعادة الاستيطان في الضفة الغربية.
تصريحات وزراء اليمين المتطرف في حفل التدشين
فقد شهد حفل افتتاح المستوطنة حضور مئات المشاركين؛ بينهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، ورئيس مجلس المستوطنات في الضفة الغربية يوسي داغان.
وخلال الحفل، جدد كاتس تعهد حكومته بالمضي في تقنين نحو 140 بؤرة استيطانية زراعية في الضفة الغربية. أما داغان، الذي كان من مستوطني "صانور" قبل إخلائها، فاعتبر ما جرى "صناعة للتاريخ" وطيًا لما وصفه بـ "جريمة الطرد من شمال السامرة".
وفي السياق نفسه، دعا سموتريتش رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى إصدار توجيهات للجيش الإسرائيلي للاستعداد لاحتلال كامل قطاع غزة وإعادة بناء المستوطنات فيه "كما يحدث في صانور".
المجتمع الدولي والتصعيد الاستيطاني
تزامنت عودة الاستيطان إلى "صانور" مع تصاعد الإدانات الدولية للسياسات الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية.
ففي 23 فبراير/ شباط 2026، دان بيان مشترك لوزراء خارجية 19 دولة، إلى جانب جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، توسيع السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية، معتبرًا ذلك انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ودفعًا نحو ضم فعلي يهدد فرص السلام.
وفي 17 مارس/ آذار 2026، وثق تقرير لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تسارع التوسع الاستيطاني وتهجير أكثر من 36 ألف فلسطيني، مع تسجيل آلاف حوادث العنف واستحداث بؤر جديدة، محذرًا من مخاطر تطهير عرقي.
كما أكدت نائبة المفوض السامي ندى الناشف، خلال إحاطة أمام مجلس حقوق الإنسان في 24 مارس/ آذار، أن هذه السياسات تمثل انتهاكا مستمرًا للقانون الدولي، داعية إلى وقف الأنشطة الاستيطانية وإخلاء المستوطنين.