خط إمداد للدعم السريع.. رادار "إيكاد" يرصد مستجدات مطار "بيراو"
في أقصى شمال شرقي جمهورية أفريقيا الوسطى، رصد فريق "إيكاد" -عبر تحليل صور الأقمار الصناعية- تحولات لوجستية متسارعة داخل مطار "بيراو"؛ إذ كشفت الصور المحدثة عن تمدد مريب في مدرج المطار، تزامن مع اختفاء مفاجئ لحركة الطائرات المرصودة داخله بعد 4 مارس/ آذار 2026.
وتكتسب هذه التغيرات أهمية بالغة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمطار؛ حيث يبعد نحو 65 كيلومترًا فقط عن معبر "أم دافوق" الحدودي، الذي يمثل البوابة البرية الرئيسية المؤدية إلى ولاية جنوب دارفور السودانية، الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
وبسبب هذا الموقع الاستراتيجي وأهميته في إطار الحرب السودانية الداخلية، تتبّع فريق "إيكاد" المستجدات الميدانية في المطار، ثم حاول قراءتها في سياقها السياسي الأوسع، وهو ما قادنا إلى تطورات أخرى تحدث في مطار رئيسي آخر في بانغي.
ما الذي تكشفه الأقمار الصناعية بشأن مطار "بيراو"؟
كشفت المقارنة الزمنية لصور الأقمار الصناعية عن تذبذب في حركة الشحن الجوي داخل المطار؛ إذ رصد الفريق طائرة واحدة في مارس/ آذار 2025، ليرتفع العدد إلى طائرتين في أبريل/ نيسان من العام ذاته، قُبيل أن تدخل الحركة في مرحلة خفوت تام خلال أشهر الصيف. وعاود النشاط الجوي تصاعده بظهور طائرة في سبتمبر/ أيلول، وبلغ ذروته برصد أربع طائرات في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.
ثم رصد الفريق طائرتين في ديسمبر/ كانون الأول 2025، وثلاث في الشهر الأول من عام 2026، واثنتين في فبراير/ شباط، وطائرة وحيدة مطلع الشهر التالي. ومن ثم غابت الطائرات تمامًا عن المهبط -وفق الصور المتاحة- بعد 4 مارس/ آذار.
ومن خلال مقاطعة الفريق لصور أقمار صناعية أرشيفية للمطار، رجّح الفريق مطابقة طائرات الشحن المستخدمة لطائرات "فوكر 50" (Fokker 50)، وهو الطراز عينه الذي وثّقته مقاطع مرئية سابقة نشرتها عناصر قوات الدعم السريع.
وفي مقابل تراجع الحركة الجوية، رصد الفريق نشاطًا إنشائيًا مكثفًا على الأرض؛ إذ أظهر قياس المساحات عبر الأقمار الصناعية تمدد مدرج مطار "بيراو" من طول 1.85 كيلومتر إلى قرابة 2.3 كيلومتر. وربما تستهدف هذه التوسعة الهندسية -كأحد الاحتمالات- تهيئة المدرج لاستقبال طائرات شحن أثقل تتيح نقل كميات أكبر.
مطار بيراو.. عقدة لوجستية
تتبّع التحقيق السياق العملياتي للمطار، فكشف عن تحوله من دعم عمليات الإغاثة الإنسانية ونقل موظفي بعثة الأمم المتحدة (MINUSCA) إلى ثكنة عسكرية، حيث وظفت القوات الفرنسية المطار سابقًا في عملية "بوالي"، قبل أن تسيطر عليه مجموعة "فاغنر" الروسية وتحوّله إلى نقطة ارتكاز لنقل العتاد وإعادة تمريره عبر الحدود نحو السودان.
كما تنسجم التحولات الأخيرة مع ما كشفه تقرير لمنصة "أفريكا إنتليجنس" (Africa Intelligence) حول وجود مفاوضات بين أبوظبي وحكومة أفريقيا الوسطى للحصول على حق استخدام المطار لأغراض لوجستية وعسكرية.
ومن الممكن القول إن هذه التحركات تهدف لإعادة هيكلة ممرات دعم قوات الدعم السريع عقب تزايد الضغوط الدولية على المسارات البديلة مثل مطار الكفرة في ليبيا، حيث حذرت تقارير دولية من أن المقترحات الرامية لتحديث المطار قد تدفع باتجاه تحويله إلى مركز إمداد عسكري إقليمي يخدم خطوط الإسناد نحو دارفور.
وتتسق هذه المؤشرات مع تقديرات "المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية" (GI-TOC)، التي تعتبر مطار "بيراو" جزءًا من بنية لوجستية غير رسمية تديرها شبكات تهريب عابرة للحدود.
إعادة هندسة خطوط الإمداد
وتتقاطع هذه التوسعات الإنشائية مع ما كشفه تحقيق صحيفة "لوموند" الفرنسية حول إعادة هندسة خطوط إمداد قوات الدعم السريع عبر جسر جوي ينطلق من دولة الإمارات. حيث تنقل طائرات الشحن المعدات من الفجيرة الإماراتية إلى عاصمة أفريقيا الوسطى، بانغي، مع تعمد بعض الرحلات إطفاء أجهزة التتبع والاتصال أثناء التحليق لإخفاء مسارها.
وتشير البيانات إلى تشغيل هذه الرحلات عبر شركتي الطيران والشحن الجوي "جوان" (Gewan Airways) و"إينفيكتا" (Invıcta Aır Cargo)؛ لتفريغ الشحنات في بانغي تمهيدًا لإعادة توجيهها نحو الحدود السودانية. وهو ما يتوافق مع ما رصدته "إيكاد"، في تحقيق سابق، حيث وثّقت بعض الرحلات التي أجرتها هذه الطائرات.
أعمال تطوير داخل مطار العاصمة
حدّد الفحص التقني مطار "بانغي مبوكو" الدولي -المطار الرئيسي في البلاد الواقع على بعد 7 كيلومترات من العاصمة- كمنطلق مركزي في شبكة الإمداد. ورصدت صور الأقمار الصناعية أعمال تطوير متسارعة داخل المطار مطلع عام 2026.
ويضم المطار مدرجًا بطول 2600 متر يتيح استقبال طائرات الشحن الثقيلة من طراز "إيرباص A300" و"إليوشن Il-76". وتشير التقارير الميدانية إلى أن الشحنات العسكرية التي تهبط في بانغي يُعاد توجيهها فورًا عبر طائرات أصغر إلى مطار "بيراو"، لتستكمل رحلتها برًّا عبر معبر "أم دافوق" نحو جبهات القتال في دارفور.
الخلاصة
يرصد هذا التقرير التحولات الهندسية المتسارعة داخل مطاري "بيراو" و"بانغي مبوكو"، التي قد لا تتسق مع فرضية كونها ممارسات تطوير محلية أو اعتيادية لبنية تحتية متهالكة، ما يفتح الباب أمام احتمالية إعادة هندسة لخطوط الإمداد العسكري الخاصة بقوات الدعم السريع، مستفيدة من الممرات البديلة والشبكات عابرة الحدود.